احتمت الإمامة في اليمن باسمين مختلفين، واحتفظت بجوهرها. حملت في عهد بيت حميد الدين اسم المملكة، وتحاول جماعة الحوثي اليوم الاحتماء باسم الجمهورية. وبين الاسمين بقي السيد فوق الدولة، والنسب فوق المواطنة، والسلطة السلالية فوق حق اليمنيين في اختيار من يحكمهم.
تفصل ثلاثة أيام بين اليوم الوطني السعودي وذكرى الثورة اليمنية. في الثالث والعشرين من سبتمبر تحتفل المملكة العربية السعودية بإعلان توحيدها، وفي السادس والعشرين منه يحتفل اليمنيون بإعلان الجمهورية وسقوط الإمامة. يلتقي التاريخان في شهر واحد، وتلتقي المناسبتان في معنى بناء الدولة، رغم اختلاف التجربتين ونظام الحكم في كل بلد.
يتجاوز معنى المناسبتين التهنئة وتقارب التاريخين؛ ففيهما تجربتان مختلفتان في بناء الدولة، وفي تاريخهما ما يدحض المحاولات الإعلامية والسياسية التي تريد إقناع اليمنيين والسعوديين بأن اختلاف النظامين يفرض الخصومة بينهما.
تحاول بعض المنابر السياسية والإعلامية إيهام الناس بأن المملكة العربية السعودية تعادي الجمهورية اليمنية بسبب اختلاف نظام الحكم بين البلدين. ويُعاد استخدام هذا الادعاء كلما تعرضت العلاقة بينهما للاختبار، وكأن أسماء الأنظمة تحدد وحدها مواقع الدول وتحالفاتها. وتطرح سؤالًا مضللًا: هل يمكن لمملكة أن تدعم جمهورية، أو تساعدها في بناء الدولة واستعادتها؟ ويكشف التاريخ عكس ذلك: التشابه الظاهر في نظام الحكم، والاشتراك في اسم «المملكة»، لم يمنعا الصراع، واختلاف النظامين لم يمنع المصالحة والتعاون.
حرب 1934: تشابه الاسم واختلاف المصالح
تعود أولى الوقائع الدالة إلى عام 1934، حين وقع النزاع الحدودي بين المملكة العربية السعودية ونظام بيت حميد الدين الذي كان يحمل اسم «المملكة المتوكلية اليمنية». انتهى النزاع بمعاهدة الطائف، وأثبت مبكرًا أن تشابه التسميات لا يلغي تعارض المصالح، مثلما أثبت الاعتراف السعودي بالجمهورية عام 1970 أن اختلاف نظام الحكم لا يفرض العداء.
الملكية والإمامة: مصدر الحق في الحكم
لا يكفي اشتراك السعودية والمتوكلية في اسم «المملكة» لوضعهما في بنية سياسية واحدة. ففي النظامين استقر الحكم داخل أسرة، وإن اختلفت آلية التوارث والأساس الذي يُبرَّر به حق الحكم. ارتبط تأسيس المملكة العربية السعودية بمشروع آل سعود في توحيد البلاد وإقامة الدولة؛ فخاض الملك عبد العزيز آل سعود حروب التوحيد، واستعاد الرياض، ووحّد مناطق واسعة من الجزيرة العربية، ثم أُعلن قيام المملكة العربية السعودية عام 1932. واستقر حكم الأسرة في إطار نظام ملكي معلن، يستند إلى تاريخ تأسيس الدولة وتوحيد أقاليمها وإقامة سلطة مركزية فيها.
أما حكم بيت حميد الدين فاستند إلى نظرية الإمامة والحق الإلهي، التي تحصر أهلية رئاسة الدولة والولاية العامة في المنتسبين إلى البطنين، وتمنح هذا الحصر سندًا دينيًا، وتجعل الولاية حقًا موروثًا في السلالة إلى ما لا نهاية. وقد أضيف إلى الاحتكار السلالي توارث السلطة داخل الأسرة، فجمع النظام بين قصر الأهلية السياسية على سلالة محددة وترسيخ الحكم في بيت واحد منها.
تمثلت مشكلة اليمنيين مع بيت حميد الدين في جعل النسب شرطًا سابقًا على إرادتهم، يحرم أكثرية أبناء البلد من أهلية الحكم مهما امتلكوا من كفاءة أو تأييد. حمل النظام اسم «المملكة المتوكلية»، وظل الحاكم إمامًا يستند إلى امتياز النسب والاصطفاء الديني في تقرير حقه في السلطة. أراد أن تتعامل معه الدول باعتباره مملكة، وحكم اليمنيين وفق بنية الإمامة ومصدر شرعيتها السلالي.
ثورة سبتمبر ومعنى الجمهورية
ومن هنا جاء المعنى الجمهوري لثورة السادس والعشرين من سبتمبر: إسقاط الامتياز السياسي للنسب، وإقرار أن اليمن وطن لجميع أبنائه، وأن حقهم في المشاركة والحكم يقوم على المواطنة. وهذا موقف من نظام حكم اليمن ومصدر شرعيته، ولا يقتضي خصومة مع السعودية بسبب نظامها الملكي.
كانت الجمهورية تحولًا في مصدر الشرعية: المواطنة مكان السلالة، والدولة مكان السيد، والمساواة السياسية مكان الامتياز العائلي المقدس. ولهذا بقيت ثورة سبتمبر هدفًا لكل مشروع يحاول إعادة الإمامة، حتى عندما يستخدم علم الجمهورية وأسماء مؤسساتها.
مصر والسعودية في حرب الستينيات
عقب إعلان الجمهورية سنة 1962 دخل اليمن حربًا اختلط فيها المحلي بالإقليمي والدولي. كان الصراع الداخلي بين اليمنيين الذين ثاروا على الإمامة وبيت حميد الدين والقوى المرتبطة به. وساندت مصر الثورة والجمهورية عسكريًا وسياسيًا، وقدمت مع اليمنيين تضحيات كبيرة في سبيل تثبيت النظام الجمهوري ومنع عودة الإمامة، فيما دعمت السعودية المعسكر المناوئ للجمهورية، فتحولت اليمن إلى إحدى ساحات الحرب العربية الباردة بين القاهرة والرياض.
جاءت المساندة المصرية ضمن قاعدة جيوسياسية أقدم من الأنظمة الحديثة ومن قناة السويس نفسها. فقد ربط البحر الأحمر وادي النيل باليمن وجنوب الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، وتعاقبت عبره التجارة والهجرات والتحالفات ومحاولات مد النفوذ في الاتجاهين. وعندما افتُتحت قناة السويس اكتسب هذا الاتصال القديم أهمية عالمية مضاعفة، وأصبح باب المندب مدخل الطريق الذي تنتهي عند طرفه الشمالي القناة المصرية.
ساندت مصر الثورة والجمهورية، وأسهم تدخلها في حماية حق اليمنيين في إسقاط الإمامة، بالتوازي مع حساباتها القومية والأمنية في البحر الأحمر وجنوب الجزيرة العربية. وكانت تدرك أن أمنها ومصالحها البحرية يتأثران بطبيعة السلطة القائمة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ولا ينتقص هذا الإدراك الجيوسياسي من دورها في حماية الجمهورية، ولا من تضحيات الجنود المصريين واليمنيين الذين قاتلوا معًا لمنع عودة الإمامة.
وفي الجانب الآخر، رأت السعودية في وجود جيش مصري كبير على حدودها الجنوبية تهديدًا مباشرًا لأمنها، وخشيت انتقال الصراع إليها تحت شعارات إسقاط الملكيات. وكانت القاهرة تحمل مشروعًا قوميًّا يتجاوز حدود مصر ويواجه النفوذ البريطاني في جنوب الجزيرة العربية. وهكذا دارت المواجهة ضمن حسابات الأمن والنفوذ وتوازن القوى. ولا تكفي مساندة السعودية لذلك المعسكر لإثبات تبنيها نظرية الحق السلالي التي قام عليها حكم بيت حميد الدين.
ويؤكد تاريخ التحالفات أن شكل النظام لم يكن العامل الحاسم. فقد عقدت السعودية الملكية اتفاقًا للدفاع مع مصر الجمهورية عام 1955، ثم دخل البلدان مع «المملكة المتوكلية اليمنية» في اتفاق عسكري ثلاثي سنة 1956. جمعت المصالح الأمنية بين أنظمة مختلفة، ثم فرقتها التحولات الإقليمية بعد سنوات قليلة.
من حصار صنعاء إلى الاعتراف بالجمهورية
بعد نكسة يونيو 1967 اتجهت مصر والسعودية إلى إنهاء صراعهما في اليمن. انسحب الجيش المصري، وتوقف الدعم السعودي لبيت حميد الدين، ثم فرضت قوات الإمام حصارًا على صنعاء. صمد الجمهوريون في حصار السبعين، وسقط الرهان على إعادة الإمامة بالقوة. وتوالت الاتصالات حتى جاءت المصالحة الوطنية، ودخلت شخصيات وقوى من المعسكر السابق في مؤسسات الجمهورية بعد التخلي عن مطلب عودة الأسرة الحاكمة.
وفي عام 1970 اعترفت المملكة العربية السعودية بالجمهورية العربية اليمنية. تعاملت معها واقعيًا باعتبارها الدولة القائمة في اليمن، وأسهم الملك فيصل بن عبد العزيز في إغلاق الحرب وتثبيت المصالحة. لم تشترط السعودية تحويل الجمهورية إلى مملكة، ولم تتمسك بإعادة الإمام إلى صنعاء، ولم تُقر له بحق إلهي في الحكم دون سائر اليمنيين. ثم تطورت العلاقة بين البلدين، وعالجا أخطر خلافاتهما الحدودية بمعاهدة جدة عام 2000.
يضع هذا التاريخ أمامنا خلاصة واضحة: تشابه اسم النظامين لم يمنع حرب 1934، واختلافهما لم يمنع الاعتراف والمصالحة عام 1970. أما تصوير العلاقة اليمنية ـ السعودية باعتبارها خصومة حتمية بين الجمهورية والملكية، فيتجاهل الوقائع ويخدم القوى التي تريد فصل اليمن عن محيطه وتحويل كل خلاف سياسي إلى عداوة دائمة بين البلدين.
الجمهورية اسمًا والإمامة سلطةً
وتتكرر اليوم محاولة خداع اليمنيين بالأسماء، ولكن في الاتجاه المعاكس. ادعى يحيى حميد الدين أنه أقام مملكة فيما ظل يمارس الإمامة، ويدعي الحوثيون أنهم يمثلون الجمهورية اليمنية فيما يعيدون بناء الإمامة في المناطق التي استولوا عليها.
الجمهورية اليمنية هي الدولة الدستورية والمعترف بها دوليًا، وتمثلها سلطتها الشرعية وحكومتها. أما الحوثيون فاستولوا بالقوة على العاصمة ومؤسسات الدولة في مناطق سيطرتهم، ويرفعون اسم الجمهورية وعلمها من دون أن يمثلوا الدولة أو الجمهورية أو الشعب اليمني. ولا يمنح احتلال العاصمة أو السيطرة على مؤسساتها جماعة مسلحة حق تمثيل اليمنيين.
ولا يفقه الحوثيون معنى الجمهورية من أساسه، ولا تمت بنية سلطتهم إليها بصلة. فهم يشكلون حكومات ومجالس، ويعينون وزراء ومحافظين، ثم يضعون فوق هذه الكيانات سلطة عبد الملك الحوثي بوصفه «السيد» و«قائد الثورة». تتغير الحكومات والأشخاص ورؤساء المجالس، وتبقى سلطة السيد ثابتة وفوقية. تصدر عنه التوجيهات في الحرب والسلام والسياسة والتعليم والاقتصاد والأمن، وتتولى المؤسسات الأدنى تحويلها إلى قرارات وإجراءات.
لا يستمد عبد الملك الحوثي موقعه من انتخاب أو دستور أو تكليف صادر عن مؤسسة جمهورية، ولا يخضع للمساءلة أو التداول. منصبه غير محدد بمدة، وسلطته لا تقيدها الحكومة أو المجلس السياسي أو القضاء. توجد في المناطق الخاضعة للجماعة مؤسسات ظاهرة تستخدم أسماء الجمهورية، وفوقها سلطة سلالية تملك القرار النهائي ولا يطالها التغيير.
هذه هي بنية الإمامة: إمام في الأعلى، وسلطات تنفيذية متغيرة تحته. ويعيد الحوثيون تقديمها من خلال مفهوم «الولاية» الذي يمنح السيد حقًا دينيًا في القيادة، ويجعل طاعته جزءًا من الولاء. الجمهورية عندهم غطاء إداري، أما السلطة الحقيقية فتقوم على السلالة والسلاح والاصطفاء الديني.
إذن، الإمامة هي الجامع الأكبر بين نظام بيت حميد الدين وجماعة الحوثي بقيادتها الأسرية. اختلفت الأدوات والأسماء والظروف، وبقي أصل السلطة واحدًا: أسرة تضع نفسها فوق اليمنيين، وتمنح زعيمها حقًا لا تمنحه لغيره، وتستخدم الدين والنسب لإقامة سلطة تعلو على الدولة. حكم بيت حميد الدين تحت اسم المملكة المتوكلية، وتستخدم جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها اسم الجمهورية اليمنية، فيما تستقر السلطة العليا في أسرة بدر الدين الحوثي وزعيم الجماعة. تغيرت الواجهة وبقي مشروع السلالة.
السعودية والجمهورية بعد 2014
بعد انقلاب 21 سبتمبر 2014 واجهت اليمن والسعودية النسخة الجديدة من الإمامة. وعندما طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي دعم المملكة ودول الخليج في مارس 2015، كان رئيس الجمهورية المعترف به دوليًا يطلب إسناد دولته في مواجهة جماعة مسلحة استولت على العاصمة ومؤسساتها. قادت المملكة التحالف لدعم الجمهورية واستعادة الدولة، وأكد مجلس الأمن شرعية السلطة اليمنية ووحدة البلاد وسيادتها.
المملكة التي وقفت إلى جانب مملكة بيت حميد الدين في ظروف الستينيات أصبحت، منذ عام 2015، الداعم الإقليمي الأهم للجمهورية في مواجهة جماعة الحوثي. وتكشف هذه المفارقة أن شكل النظام لم يكن وحده مفسر الموقفين، وأن اعتبارات الأمن والمصالح وتوازن القوى كانت أكثر قدرة على تحديد مسار العلاقة. ويضيف ارتباط الحوثيين بإيران خطرًا مباشرًا على اليمن والسعودية والجزيرة العربية والبحر الأحمر.
أمن البحر الأحمر يبدأ من اليمن
وأعادت سيطرة الحوثيين في سبتمبر 2026 على المخا وباب المندب وميون وجزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، عقب انسحاب القوات المتمركزة فيها، العلاقة بين الجمهورية والمملكة إلى أصلها الأمني. تمدُّد الحوثيين على الساحل يوسّع نفوذ نظام إمامي مرتبط بإيران نحو حدود السعودية وأحد أهم الممرات البحرية في العالم. والخسائر التي وقعت تستوجب مراجعة صريحة للأداء والقيادة وأسباب الانسحاب، لكنها لا تغير طبيعة المعركة أو المصالح التي تجمع البلدين.
وقد تنكفئ الولايات المتحدة عن المنطقة مؤقتًا، أو تنشغل بصراعات أخرى، أو تعيد ترتيب أولوياتها وفق مصالحها العالمية. أما دول البحر الأحمر فلا تستطيع مغادرة جغرافيتها أو تأجيل الأخطار القادمة منها. وتتحمل اليمن والسعودية ومصر المسؤولية المباشرة بحكم موقع اليمن عند باب المندب، وامتداد الساحل السعودي على البحر الأحمر، ووقوع قناة السويس في طرفه الشمالي، ثم تتسع المسؤولية لتشمل السودان والأردن وبقية الدول المشاطئة.
القوى الكبرى تأتي بأساطيلها وتغادر عندما تتغير حساباتها، بينما تبقى دول المنطقة معنية بمستقبل بحرها وأمنه. ولهذا ينبغي أن يقوم أمن البحر الأحمر على نواة عربية تبدأ باليمن والسعودية ومصر، وتنفتح على السودان والأردن وبقية الدول المشاطئة، وتتعاون مع القوى الدولية من موقع الشريك.
وتبدأ هذه الشراكة باستعادة الجمهورية اليمنية قدرتها على حماية أراضيها وسواحلها وجزرها، وتوحيد القوات المسلحة تحت وزارة الدفاع وهيئة الأركان، وإنهاء تعدد مراكز القرار والسلاح. فاليمن الضعيف يفتح البحر الأحمر للتدخلات، واليمن القوي يمنح السعودية حدودًا أكثر أمنًا، ويؤمّن لمصر المدخل الجنوبي للطريق المؤدي إلى قناة السويس.
سبتمبر يجمعنا
توحّدت المملكة في سبتمبر، وأُعلنت الجمهورية اليمنية في سبتمبر. الأولى أنجزت مشروع توحيد الدولة في ظل نظامها الملكي، والثانية أسقطت نظامًا إماميًا جعل النسب أساسًا للأهلية السياسية. واليوم تواجه الدولتان إمامة جديدة تستخدم اسم الجمهورية وتهدم مضمونها.
سبتمبر السعودية ذكرى بناء الدولة وتوحيدها، وسبتمبر اليمن ذكرى تحرير الدولة من السلالة. وفي هذا المعنى نحن يمنيون وسعوديون وسبتمبريون.
سبتمبر مجيد لأهلنا في المملكة والجمهورية.
نشر النص أولا في المصدر أونلاين