دعت ورقة سياسات نشرها مكتب مؤسسة كونراد أديناور الألمانية في إسرائيل إلى استراتيجية إقليمية ودولية طويلة المدى لمواجهة التهديد الحوثي، تجمع حماية السعودية، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وتقييد الإمدادات الإيرانية، وبناء قوة يمنية موازنة للجماعة. واعتبرت أن الغارات الجوية والتفاهمات مع طهران لا تكفي وحدها لمعالجة تهديد اكتسب قدرات عسكرية ومصالح تتجاوز الحدود اليمنية.
الورقة، المنشورة في 22 أكتوبر 2026 بعنوان «منظور إسرائيلي للحوثيين: من حركة يمنية محلية إلى تهديد استراتيجي للبحر الأحمر وما وراءه»، أعدها دينيس «داني» سيترينوفيتش، الباحث في برنامج إيران والمحور الشيعي بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، والمسؤول السابق عن الفرع الإيراني في قسم البحث والتحليل بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وتسبق المتن مقدمة كتبها باسكال فرانتس، الباحث بمكتب المؤسسة. الورقة الأصلية
تربط الورقة التطورات اليمنية بأمن الخليج وأوروبا والقرن الأفريقي، وتنطلق من المصالح الأمنية الإسرائيلية. وتجمع بين سرد الوقائع وتفسيرها وتوقع مساراتها واقتراح سياسات للتعامل معها، دون إسناد تفصيلي يتيح فحص جميع دعاواها. وتنبع أهميتها من المنظور الذي تعرضه وخبرة مؤلفها، مع بقاء المسافة قائمة بين تقدير خبير سابق وسياسة رسمية معتمدة.
ثلاث دوائر للتهديد
تنطلق مقدمة فرانتس من تحول الحوثيين من حركة محلية إلى فاعل قادر على تهديد البنية التحتية وشن هجمات بعيدة المدى وتعطيل ممر بحري رئيسي. وتوزع آثار هذا التحول على ثلاث دوائر.
تتمثل الدائرة الأولى في ألمانيا وأوروبا، حيث يهدد اضطراب البحر الأحمر وباب المندب سلاسل الإمداد وطرق التجارة وأمن الطاقة. وتخص الدائرة الثانية إسرائيل، التي تواجه الصواريخ والطائرات المسيرة والضغط البحري. أما الثالثة فتشمل دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، بسبب استهداف المطارات والمنشآت النفطية والأصول الاقتصادية.
يعكس هذا التقسيم مصالح الجمهور الذي تخاطبه الورقة، لكنه يترك الجمهورية اليمنية خارج المعالجة المستقلة لدوائر التهديد، رغم أن مؤسساتها وأراضيها وسكانها يتحملون الأثر المباشر للصراع.
ويتناول المتن السيطرة على صنعاء والحرب والتطورات العسكرية والحكومة المعترف بها دوليًا، إلا أن صياغة المشكلة الاستراتيجية المشتركة تجمع إسرائيل وأوروبا والخليج، بينما يظهر اليمن أساسًا ساحة ينشأ منها الخطر. وينعكس ذلك على ترتيب أهداف الاستجابة، حيث تحظى حماية الخارج بتفصيل أكبر من استعادة الدولة وسيادتها داخل اليمن.
ثلاثة مسارات للمستقبل
تعرض المقدمة ثلاثة سيناريوهات. يتمثل المسار المواتي نسبيًا في احتواء الحوثيين عبر الشراكات الإقليمية وتعزيز الأمن البحري والردع، بما يحد من تهديد الملاحة والدول المجاورة.
أما المسار الذي تعده أكثر ترجيحًا فهو استمرار توسع نشاط الجماعة إقليميًا، وتعميق تعاونها مع القوى المدعومة من إيران، ومواصلة الضغط على إسرائيل والسعودية وطرق التجارة. وتطرح المقدمة احتمال أن يدفع تقاطع المصالح الأمنية إلى تحسن العلاقات السعودية الإسرائيلية.
وفي السيناريو الأشد سوءًا، يعزز الحوثيون مواقعهم حول البحر الأحمر، ويتحولون إلى فاعل إقليمي مهيمن قادر على فرض تكاليف اقتصادية وسياسية على أوروبا والاقتصاد العالمي، مع آثار غير مباشرة على الحرب في أوكرانيا.
ولا تتضمن هذه السيناريوهات مسارًا مستقلًا لتراجع الجماعة بفعل استعادة الدولة اليمنية وتغير ميزان القوى الداخلي. كما لا توضح المقدمة معايير ترجيح استمرار التوسع الإقليمي، أو كيفية احتساب القدرات اليمنية المضادة والضغوط التي تواجه الحوثيين.
ويمكن طرح سيناريو آخر يتمثل في تراجع متفاوت للقدرات والنفوذ الحوثي، مع استمرار قدرة الجماعة على التعطيل والهجمات المتقطعة. ففي هذا المسار، قد تتكامل الضربات على الترسانة وشبكات الإمداد مع استنزاف القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في تعز لقدرات الحوثيين، وإجبارهم على إبقاء أعداد كبيرة من المقاتلين والأنساق القتالية والإمدادات مشغولة بجبهاتها، بما يحد من قدرتهم على حشدها ونقلها إلى محاور أخرى.
ويتضاعف أثر هذا الضغط مع توحيد القيادة وتنظيم التعبئة وتفعيل مؤسسات الدولة، وقد يؤدي إلى تقليص قدرة الجماعة على التوسع والسيطرة، مع بقاء قدرتها على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة. وبذلك قد يستمر تهديدها الإقليمي بينما يتراجع موقعها داخل اليمن، فلا يكون استمرار الهجمات دليلًا كافيًا على استمرار الصعود.
ويتوقف ترجيح هذا السيناريو على اتجاه السيطرة الميدانية، وحجم الخسائر والقدرة على تعويضها، وانتظام الإمدادات والتمويل والتجنيد، وتماسك القيادة الحوثية، وكفاءة القوات المناهضة لها ووحدة قرارها. ويشمل ذلك تقدير الخسائر الحوثية في جبهات تعز، وحجم القوات التي تضطر الجماعة إلى إبقائها فيها، وأثر ذلك في قدرتها على تعزيز الجبهات الأخرى. فإذا تحسنت قدرة الدولة على استعادة الأرض وإدارتها، وتراجعت قدرة الجماعة على التعويض، تعزز احتمال انحسارها.
من صعدة إلى القدرة الإقليمية
يعود سيترينوفيتش إلى نشأة الحركة في البيئة الزيدية شمال اليمن، وحروب صعدة، ثم السيطرة على صنعاء في سبتمبر 2014 والتقدم نحو عدن والتدخل العسكري بقيادة السعودية في مارس 2015.
ويرى أن إيران أدت دورًا حاسمًا في تطوير القدرات الحوثية، من خلال الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتدريب، ومساعدة الجماعة على بناء قدرات محلية لإنتاج منظومات معقدة. ويصف العلاقة بشراكة استراتيجية غير متكافئة تتقاطع فيها المصالح دون تطابق دائم.
ويفصل هذا التوصيف بين مصدر الدعم وملكية القرار؛ فامتلاك الحوثيين حساباتهم الخاصة يعني أن الاتفاق مع طهران قد لا يؤدي تلقائيًا إلى توقف نشاطهم. غير أن الورقة لا تحدد مقدار هذا الاستقلال، ولا المجالات التي تستطيع فيها إيران فرض القرار أو تعطيله.
وتصف، في موضع آخر، التعاون مع الفصائل العراقية بأنه تكامل عملياتي يجري بتوجيه وتمويل من الحرس الثوري. وتفسير العلاقة بين الاستقلال والتوجيه الخارجي يقتضي فصل قرار التصعيد عن اختيار الأهداف وتوفير المعلومات والتخطيط والتنفيذ. كما أن الاستقلال النسبي لا ينفي الاعتماد التقني والعسكري، ولا يلغي مسؤولية إيران عن الدعم الذي يوفر أدوات الهجوم.
إسرائيل وحدود الغارات
تقر الورقة بأن إسرائيل قللت من تقدير التهديد القادم من اليمن، وأن مواجهتها مع الحوثيين كشفت فجوة استخباراتية مقارنة بما راكمته تجاه إيران وحزب الله.
وتفرق بين قدرة سلاح الجو على الوصول إلى أهداف بعيدة وبين القدرة على إضعاف البنية العسكرية الحوثية بصورة مستدامة. وتستشهد بمقتل أحمد الرهوي ومسؤولين في الحكومة التابعة للجماعة لتوضيح أن استهداف شخصيات بارزة قد لا يصيب النواة العسكرية والأيديولوجية التي تتحكم في القرار.
وتدعو إلى تعميق المعرفة بالتنظيم العسكري، وهيكل القيادة، وإنتاج السلاح، والشبكات اللوجستية، وآليات اتخاذ القرار. وتتناول فرص تحسين الرصد والحضور الإقليمي عبر العلاقات مع أرض الصومال، مع إقرارها بأن الاعتراف الدبلوماسي لا يوفر تلقائيًا تسهيلات عسكرية.
ويكتسب التمييز بين الوصول العسكري والأثر الاستراتيجي أهميته من أن نجاح الضربة يقاس بما تحدثه في قدرة الخصم وسلوكه. لكن الورقة تذكر استهداف مخازن الأسلحة ومواقع الإطلاق والمنصات المتحركة والمنشآت العسكرية، دون مقارنة للمخزون والإنتاج والجاهزية قبل الضربات وبعدها.
واستمرار الهجمات يثبت بقاء قدرة هجومية، لكنه لا يثبت وحده احتفاظ الجماعة بالمستوى السابق من المخزون والفاعلية. وبالمثل، قد يرتبط انخفاض الهجمات بخسائر عسكرية أو بقرار خفض التصعيد وإعادة توزيع الموارد. ومن دون بيانات تميز بين هذه الاحتمالات، تبقى حدود التأثير الفعلي للغارات غير محسومة.
السعودية وخطر الاستنزاف
تربط الورقة تجدد المواجهة بمنطق حوثي تسميه «الحصار مقابل الحصار»، يقوم على تهديد قدرة السعودية على تصدير الطاقة واستخدام البحر الأحمر للضغط من أجل رفع القيود عن المناطق الخاضعة للجماعة.
وتحدد ثلاثة مخاطر تواجه الرياض: الانكشاف الاقتصادي الناجم عن استهداف منشآت الطاقة، واضطراب طرق التجارة البديلة عبر البحر الأحمر في ظل القيود على هرمز، وانتهاء التهدئة والعودة إلى حرب استنزاف مباشرة.
ويقابل هذه المخاطر ما تملكه السعودية من قدرات مالية واقتصادية، وقطاعات غير نفطية، وبنية للنقل والتصدير، وشراكات دفاعية تستطيع توظيفها لتخفيف كلفة الاستهداف وإصلاح الأضرار وتعزيز الحماية. فتعرض منشآت أو طرق تجارية للهجمات لا يقود تلقائيًا إلى التراجع؛ ويتوقف أثره على حجم الضرر واستمراره، وفاعلية الدفاعات، والقدرة على التعويض والتكيف.
وتقتضي موازنة الكلفة أيضًا بحث التماسك الداخلي والتأييد الشعبي للدفاع عن المملكة، والدعم اليمني الرسمي والشعبي للسعودية في مواجهة الخطر المشترك. ويظهر الأثر العملي لهذا التقارب حين يترجم إلى تعاون ميداني، وإسناد للقوات المسلحة والمقاومة الشعبية، وتوحيد للقيادة والأهداف. ويحتاج تقدير حجمه واستدامته إلى شواهد، شأنه شأن بقية عناصر القوة والضغط.
فالاستنزاف يطال الحوثيين أيضًا، وقد تفرض عليهم الجبهات اليمنية وتقييد الإمدادات وخسائر الترسانة أعباء تحد من قدرتهم على إدامة التصعيد. ولذلك فإن تقييم الموقف السعودي يظل ناقصًا إذا اقتصر على كلفة المواجهة، دون احتساب قدرة المملكة على الاستمرار وكلفة ترك الخطر يتوسع.
وتجزم الورقة بأن الحوثيين لن يقبلوا تنازلات اقتصادية جزئية أو توقفات مؤقتة، دون إسناد هذا الحكم إلى تصريحات محددة أو مصادر مطلعة أو تحليل موثق لسوابق التفاوض. والمواقف التفاوضية تتأثر بموازين القوة والموارد والضغوط؛ ومن ثم لا يكفي عرض مطلب معلن للجزم بما ستقبله الجماعة في ظروف مختلفة.
وتتناول الورقة فرص التعاون الاستخباراتي والدفاعي السعودي الإسرائيلي، لكنها تتحفظ على افتراض أن تقاطع المصالح سيحقق اختراقًا في التطبيع، وتقر بارتباط الموقف السعودي بالقضية الفلسطينية واعتبارات سياسية أوسع. أما تقارير المحادثات عبر القيادة المركزية الأمريكية، فقد نقلتها وسائل إعلام اعتمادًا على مصادر دبلوماسية غير مسماة، ولا تثبت بذاتها نطاق التعاون الفعلي أو نتائجه. جيروزاليم بوست
أوروبا والقرن الأفريقي
ترى الورقة أن حماية ينبع والملاحة في البحر الأحمر تمس أمن الطاقة الأوروبي مباشرة. وتربط اضطراب هرمز وتهديد باب المندب بسيناريو «نقطتي اختناق»، يضغط على الإمدادات والتجارة في وقت واحد.
وتستند إلى الدعم البريطاني والفرنسي للسعودية للدعوة إلى التزام أوروبي أوسع. فقد أعلنت بريطانيا تقديم طائرة «فوياجر» للتزود بالوقود جوًا، وأكد ماكرون نشر أفراد وقدرات للمساعدة في تأمين ينبع. كما تؤكد الوثيقة الأوروبية تمديد مهمة «أسبيدس» حتى 28 فبراير 2027. أما تقييم الورقة لعدم كفاية موارد المهمة وتجهيزها فيظل بحاجة إلى بيانات عن قدراتها والتهديدات التي تواجهها. وزارة الدفاع البريطانية؛ الرئاسة الفرنسية؛ القرار الأوروبي
ويمتد التحليل إلى علاقات الحوثيين بحركة الشباب الصومالية وشبكات التهريب والتدريب في القرن الأفريقي. وتدعو الورقة إلى تعاون استخباراتي وأمني ومراقبة بحرية ومكافحة التهريب.
لكن الاتصالات وصفقات الأسلحة والتدريب لا تثبت، كل منها منفردة، قيام تحالف عملياتي مستمر. ويتوقف تقدير هذا الامتداد على طبيعة التعاون وحجمه وانتظامه، وقدرته على إنتاج تهديد منظم على الضفة الأفريقية.
سبع توصيات مترابطة
تقترح الورقة مساعدة دفاعية دولية مستمرة للسعودية ضد الصواريخ والطائرات المسيرة، وتحويل الدعم البريطاني والفرنسي إلى بداية التزام أوروبي أوسع. وتوصي بتحالف بحري يضمن حرية الملاحة، حتى لا تبقى حركة السفن خاضعة لحسابات الحوثيين بشأن الجهات المستهدفة.
وتدعو إلى تشديد اعتراض الأسلحة الإيرانية والمكونات ذات الاستخدام المزدوج، وزيادة مراقبة طرق التهريب عبر بحر العرب وخليج عدن والشبكات المرتبطة بعمان. وتحدد الهدف في جعل تطوير القدرات الحوثية أصعب، مع اعتبار قطع جميع العلاقات الإيرانية الحوثية غير واقعي.
وتوصي بإدخال القرن الأفريقي ضمن استراتيجية البحر الأحمر، ومنع انتقال السلاح والتدريب وتطور الشبكات العملياتية. وتحذر من التعويل على اتفاق دبلوماسي مع إيران لإنهاء التهديد تلقائيًا.
وفي اليمن، تدعو إلى بناء قوة عسكرية وسياسية مناهضة للحوثيين في الجنوب، قادرة على تغيير ميزان القوى ودعم حملة أوسع إذا أخفق الردع والدبلوماسية. ثم تضيف التواصل المستمر مع الحكومة العراقية لتقييد علاقات الحوثيين بالفصائل المسلحة.
وتترك هذه التوصيات احتمال الحملة الأوسع قائمًا، رغم وضع الاحتواء في مركز المقاربة. لكنها لا ترتب الأولويات أو تحدد الجهات المسؤولة والموارد والمدة اللازمة للتنفيذ.
ولا تحدد معيار نجاح الاحتواء: هل يتمثل في خفض الهجمات، أم تقليص الترسانة، أم وقف التوسع الجغرافي، أم تغيير السلوك السياسي؟ وقد ينخفض استهداف الملاحة بينما تتعزز سيطرة الجماعة داخل اليمن، مما يجعل النجاح في حماية مصلحة خارجية متزامنًا مع تفاقم الخطر على الدولة اليمنية.
كما يترك حصر القوة المقترحة في جنوب اليمن علاقتها بتعز ومأرب وبقية القوى المناهضة للحوثيين غير واضحة. ويتوقف دورها على اتصالها بمؤسسات الدولة وسلسلة القيادة الوطنية، وقدرتها على إدارة المناطق التي تستعيدها وحماية سكانها، وضمان ألا تتحول إلى تشكيل إضافي في بيئة منقسمة.
القوات اليمنية والتعبئة والمقاومة
تذكر الورقة القوات الحكومية وعملياتها، وتتناول «فجر اليمن» وتنسب إعلانها إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. وتورد أهدافًا تشمل مواجهة التقدم الحوثي واستعادة مواقع استراتيجية والتقدم نحو صنعاء.
لكنها لا تقدم تقييمًا مستقلًا لتكوين القوات المشاركة وقدراتها وقيادتها ونتائجها، ولا تبحث التعبئة العامة أو دور المقاومة اليمنية وحواضنها الاجتماعية. ويؤثر هذا النقص في تقدير مستقبل ميزان القوى، لأن أدوات الضغط الداخلية على الحوثيين تحظى ببحث أقل من قدرات الجماعة الإقليمية.
وتستخدم وصف «الميليشيات المحلية بالوكالة» لشركاء السعودية والإمارات، دون تمييز كاف بين القوات التابعة للمؤسسات الرسمية والتشكيلات الأخرى. فالدعم الخارجي لا يفسر وحده الوضع المؤسسي أو الدوافع الوطنية أو مقدار استقلال القرار.
وتبقى وحدة القيادة، وانتظام الموارد، والتعبئة المنظمة، وتكامل القوات المسلحة والمقاومة متغيرات أساسية في تقدير فرص استعادة الدولة. ولا يمكن حسم أثرها مسبقًا، لكنها تستحق موقعًا واضحًا في المقارنة بين احتمالات الصعود الحوثي والانحسار.
التصنيف الإرهابي وأدوات المواجهة
لا تسمي الورقة الحوثيين صراحة جماعة إرهابية، بينما تستخدم الوصف عند تناول حركة الشباب الصومالية. ولا تناقش قرار مجلس الدفاع الوطني اليمني رقم 1 لسنة 2022 بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، أو التصنيف الأمريكي منظمة إرهابية أجنبية المعلن في 4 مارس 2025. وزارة الخارجية اليمنية؛ وزارة الخزانة الأمريكية
وتختلف الآثار القانونية لهذه التصنيفات باختلاف الجهة التي تصدرها ونطاق تطبيقها، لكنها ذات صلة مباشرة بالمقترحات المتعلقة بالتمويل والإمداد والتعاون الدولي. ويترك إغفالها أدوات التنفيذ وآثارها دون تحليل كاف، بما يشمل الاستثناءات والتراخيص المرتبطة بالمعاملات الإنسانية.
ويستحق التفاوت في استخدام وصف الإرهاب النقاش، خصوصًا عند تناول علاقات الجماعتين وشبكاتهما. لكنه لا يكفي وحده لإثبات نية تبرئة الحوثيين أو منحهم وضعًا سياسيًا معينًا.
هل الاحتواء حكم واقعي أم خيار سياسي؟
تنتهي الورقة إلى أن القضاء على المشكلة الحوثية غير واقعي «في الظروف الراهنة»، وتوصي ببنية طويلة المدى لاحتواء التوسع وحماية السعودية والقرن الأفريقي والملاحة.
ويقيد المؤلف حكمه بالظروف الراهنة، مما يترك احتمال تغير ميزان القوى قائمًا. لكن تعبير «القضاء على المشكلة» يبقى واسعًا؛ فهزيمة قوة عسكرية، وتفكيك ترسانة، وإنهاء السيطرة المسلحة على الدولة، واستئصال تنظيم اجتماعي وسياسي أهداف مختلفة في أدواتها وقابليتها للتحقق.
وتستند صعوبة الحسم السريع في الورقة إلى امتلاك السلاح والخبرة والشبكات الخارجية والقدرة على تحمل الضربات. أما الشروط التي قد تغير هذه المعطيات، والبدائل المتاحة وكلفتها، فلا تنال تقييمًا مماثلًا. وقد يكون الاحتواء خيارًا مرحليًا إذا ثبت تعذر البدائل أو ارتفاع كلفتها، لكنه يفقد دقته حين يتحول إلى افتراض دائم لا يتغير بتغير الوقائع.
وتؤثر السياسات الخارجية أيضًا في بقاء الجماعة وحدود حركتها. فبيان سلطنة عمان بشأن تفاهم 6 مايو 2025 أعلن التزام الولايات المتحدة والجهات المعنية في صنعاء بعدم استهداف بعضهما، بما يشمل السفن الأمريكية. وهذا ترتيب محدود بنطاق أطرافه، لا يتضمن بذاته تسوية للصراع اليمني أو ضمانًا شاملًا لأمن جميع المتضررين. وزارة الخارجية العمانية
وفي مسار آخر، اتهمت الخزانة الأمريكية أفرادًا مرتبطين بالحوثيين بالتفاوض لشراء أسلحة من روسيا، وهو ما يوسع مجال البحث في مصادر التسليح والمصالح المرتبطة بالجماعة خارج العلاقة الإيرانية. وتبقى هذه اتهامات رسمية محددة، ولا تثبت وحدها سياسة روسية شاملة لدعم الحوثيين. وزارة الخزانة الأمريكية
وتختلف دلالة الدعم العسكري المتعمد عن ترتيبات حماية المصالح الخاصة أو سياسات تجنب التصعيد. وقد تسهم تسوية محدودة في إطالة بقاء قوة مسلحة دون أن تكون هذه غايتها. أما افتراض وجود إرادة دولية لإدامة الحوثيين فيحتاج إلى أدلة على القرار والغاية، تتجاوز ملاحظة استمرارهم أو الدعوة إلى احتوائهم. وما تغفله الورقة هو دراسة هذه السياسات المتباينة ونتائجها على قدرة الدولة اليمنية على استعادة سيادتها.
قيمة الورقة وحدودها
المنشور ورقة سياسات مستقلة، ولا ينشر بوصفه مقالًا في مجلة علمية. ولذلك لا ينطبق عليه تصنيف Q1–Q4 أو معامل تأثير مجلة. ولا تعرض النسخة المنشورة إفادة بتحكيم علمي خارجي أو منهجًا مفصلًا أو قائمة مراجع.
ومؤسسة كونراد أديناور مؤسسة سياسية ألمانية قريبة من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ذات نشاط دولي وشبكات سياسية وبحثية. يمنح ذلك الورقة فرصة للوصول إلى دوائر النقاش، لكنه لا يغني عن توثيق مضمونها أو يجعلها موقفًا حكوميًا. التعريف بالمؤسسة
ولا يؤخذ على ورقة السياسات غياب الاستبانة أو التحليل الإحصائي؛ فالتحليل النوعي يستطيع تقديم معرفة معتبرة متى أوضح مصادره ومسار استدلاله وحدود نتائجه. ويتركز القصور هنا في صعوبة تتبع الأدلة التي تحمل الأحكام والتوصيات.
فالورقة تجمع أرقامًا ووقائع ميدانية وتقديرات استخباراتية وأحكامًا على النوايا دون إسناد تفصيلي. ويمكن الاستفادة منها في دراسة منظور أمني إسرائيلي، بينما يحتاج الاستشهاد بها لإثبات الوقائع إلى مصادر مستقلة. وتمنحها خبرة المؤلف قيمة في تفسير التهديد وصياغة الخيارات، مع بقاء ادعاءاته خاضعة للتحقق والمقارنة.
بالنسبة إلى اليمن والسعودية، تقدم الورقة حجة لاتساع المسؤولية الدولية عن تهديد الملاحة والطاقة، وتحذر من حلول جزئية تترك أدوات التصعيد قائمة. ويتيح ارتباط التحرك الأوروبي بالمصالح الاقتصادية وأمن الطاقة أساسًا لمطالبة الشركاء بتقاسم كلفة الحماية. ومن المصلحة اليمنية والسعودية ربط هذا التعاون بتعزيز قدرة الدولة اليمنية وقواتها المسلحة على تأمين الأرض والساحل، وتقييد مصادر التسليح والتمويل التي تتيح تجدد التهديد.
ويتوقف الفرق بين إدارة الخطر وتقليص مصادره على موقع الدولة اليمنية في الاستراتيجية المقترحة. فحماية الممرات والمنشآت قد تحقق أمنًا مؤقتًا، بينما توفر استعادة المؤسسات وتوحيد القيادة وضبط السلاح أساسًا أوسع لاستقرار اليمن وأمن جواره والملاحة الدولية.