الهاشمية السياسية ومعركة اليمنيين الراهنة

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يناقش المقال معركة اليمنيين مع الهاشمية السياسية بوصفها معركة وعي قبل أن تكون صراعًا عسكريًا أو سياسيًا، محذرًا من انشغال النخب بمعارك جانبية تُضعف مقاومة مشروع اجتثاث الدولة والهوية.

 

واهمون من يظنون أن المعركة اليمنية مع الهاشمية السياسية الممتدة منذ وصول الرسي في نهاية القرن الثالث الهجري حتى هذه اللحظة، ستنتهي بتسوية أو اتفاق سياسي، خاصة مع وجود كل هذا النفاق الدولي والدعم اللامعقول للنقائل والطوائف المعادية للشعوب.

دعونا نتفق على أنها معركة وعي ابتداءً، ليسهل علينا الاتفاق على ما بعدها. من يشكلون هذا الوعي هم أهل المنابر الإعلامية ومنابر المساجد، ومنصات وسائل الإعلام الاجتماعي، ووسائل الإعلام التقليدية. الجميع يشكلون طبقة من المثقفين والكتّاب وقادة الرأي العام، بعيدًا عن تصنيفهم أو تقسيمهم إلى تيارات سياسية.

بينما صعاليك الله في المقاومة الباسلة يصدون بأرواحهم الهجمات المتكررة على شعبنا في مختلف الجبهات والميادين، ويضحون لأجل الشرف والعرض والأرض والروح اليمانية المتصلة بقحطان الجد، تقوم هذه الطبقة المخملية المكوّنة للرأي العام بحرف مسار معركة الوجود مع الهاشمية السياسية، والخوض في معارك وهمية لا أهمية لها في هذه الأثناء.

إن استهلاك الطاقات في تجديد حرب فكرية أشعلها نظام صالح الأمني في التسعينات بين الخطباء والصحفيين، لدليل على أن صُنّاع الوعي ما زالوا تائهين عن الطريق، وما زالوا يعملون وفقًا لأمزجتهم لا لما تقتضيه معركة أمتنا اليمنية اليوم.

القضية اليوم ليست مخرجات حوار ولا دستورًا موافقًا أو مخالفًا للشريعة، بل قضية اجتثاث شعب من هويته وسلبه دولته وإرادته. كما أنها من منظور آخر، معركة للدفاع عن الوطن والأرض والكرامة وعن حرية الإنسان اليمني، الذي يُراد له أن يظل عبدًا تابعًا لأقلية مارقة عن كل العادات والتقاليد والأعراف والشرائع.

من يستفيد من إعادة مصطلحات ما قبل الثورة والمقاومة إلى المربع الأول هو الطرف المتضرر من ثورة 2011 ومن مقاومة 2015. فإعادة مصطلحات الإسلامية والعلمانية ومفردات الترف الفكري إلى النقاش والتراشق بين النخب لا تخدم سوى من يخشون انتصار المقاومة والجيش الوطني.

إن جرّ النخب إلى قضايا لا تخدم المقاومة والسلطة الشرعية في حربهما لأجل استعادة الدولة، لهو من باب السفه والطيش، وهذا ما تراهن عليه الهاشمية السياسية التي تتخفى بكل قالب وشكل ولون، لتصل إلى الحكم وتترك الضجيج للنخب التي لا تعلم ماذا تريد.

ألا يكفي ما حدث في 2013 و2014 من ضجيج هذه النخب التي استهلكت العقل الجمعي اليمني؟ وكان من نتائج ذلك وصول قطعان الهاشمية السياسية إلى العاصمة صنعاء والسيطرة على الدولة. وكانت النخب الحزبية في حقد واستقتال للتخلص من بعضها، لكن اليوم يتم التخلص من كل الفاعلين في المجتمع من أفراد وجماعات وأحزاب ومؤسسات، ويتم توظيف المليشيات وإحلالها بدلًا من موظفي الدولة.

يميل البعض إلى انتقاد الوعّاظ وتعريتهم بأنهم مجرد أناس لا يفقهون في شؤون الحياة، ويقوم بعض الوعّاظ بالرد بأن المثقفين والكتّاب والصحفيين مارقون عن الدين. ومن هنا، تتخلق القضايا الجانبية التي لا تفيد المجتمع، الذي تُجتث أحلامه وآماله، ويُترك عاريًا أمام الكوارث.

إننا بحاجة إلى إعادة توجيه الجميع إلى المعركة الحقيقية مع الهاشمية السياسية، التي تعمل على قتل شعبنا واستباحة حرماته. كذلك، فإن المقاومة والجيش الوطني بحاجة اليوم إلى دعم هذه النخب في معركة الوعي. يجب ألا تُترك المقاومة في المعركة لوحدها.

إن السلطة الشرعية بحاجة إلى دعم هذه النخب، لا التشكيك فيها. وفد الحكومة في مشاورات الكويت بحاجة إلى دعم النخب. كل هذا الدعم سيوحّد ما تمزق من المجتمع وسيعيد تماسك أبنائه.

لا نريد ولا ننتظر من النخب المكوّنة للوعي أن تترك المجتمع يخوض في التيه، محرومًا من الأمل، تتكالب عليه مصائب الحروب ومصائب نقص الوعي وزيادة مستوى التضليل. فإذا ما عرفت هذه النخب دورها والتحمت بالمقاومة والجيش الوطني والسلطة الشرعية والمجتمع، فإن النصر سيتحقق في أقرب وأسرع وقت. فالمعركة أولًا وأخيرًا معركة وعي.

ولو قسنا مدى تغلغل الجهل وبقائه في المجتمع، لرأينا الصورة ما زالت قاتمة بمجرد النظر إلى الجموع التي حشدها الانقلاب في صنعاء في السبعين والجراف. ما زال للتخلف كتل كبيرة. وهذا دليل على نقص الوعي، يا نخبنا المنشغلة بالإلحاد والعلمانية والإسلامية. معركتنا معركة وعي ومعركة وجود.

نشر هنا الجمعة, 29 أبريل, 2016 - 10:48 مساءً

مقالات قد تهمك

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ أسبوع
علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ 4 أسابيع
حرب النبوءات بدوافع الاستحواذ والنفوذ
آراء

حرب النبوءات بدوافع الاستحواذ والنفوذ

في هذا العمود الصحفي يقرأ الدكتور بكر الظبياني مشهد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران وميليشياتها من جهة أخرى بوصفه صراعًا يتجاوز الشعارات الدينية إلى حسابات النفوذ والجغرافيا السياسية. يوضح أن استدعاء النبوءات والرموز العقائدية يُستخدم أداةً للتعبئة وإضفاء الشرعية على المواجهة، فيما يكمن جوهر الصراع في السيطرة على الطاقة والممرات الاستراتيجية. ويرصد انعكاسات التوترات على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، مشيرًا إلى أن كلفة الحروب تتحملها الشعوب، بينما تجني بعض القوى الدولية مكاسب غير مباشرة من استمرارها.

منذ شهر