ثقافة الدولة لدى اليمني
د. عبدالله الشماحي
أقدم دولة في التأريخ على المستوى العالمي ، هي الدولة اليمنية ، وما أخبار ذي القرنين يجهلها أحد من العالمين .
ولقد امتدت هيبة الدولة اليمنية ، حتى أقصى المشرق الأسيوي إلى الصين ، كما ذكر ذلك مؤرخنا الفقية العلامة اللغوي ، نشوان بن سعيد الحميري ، حيث كان يتم إرسال الولاة اليمنيين قبل الإسلام إلى منطقة “التّبِت” ، والتي يوضح نشوان أنها كان اسمها مُصَحّفاً من “تبابعة” ، يعني بلاد التبابعة . والتُبَّع عند اليمنيين يعني الملك ، كما أن النجاشي يعني الملك عند الحبشة ، وكسرى عند الفرس ، وفرعون عند المصريين.
في الجزيرة العربية ، حيث الكيانات القبلية العشائرية ، قبل الإسلام وبعده ، لم يتشكل كيان دولة فيها ، يكاد يكون مستمراً ، إِلَّا في اليمن ، سواء كانت دولة مستقلة أم في إطار الدولة الإسلامية الكبرى مع قيام دولة الخلافة الإسلامية .
مع بزوغ فجر الإسلام ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، اتجه اهتمام نبينا محمد ، إلى البحث عن حاضنة تحمي الدعوة الجديدة ، فلم يجدها إلا من اليمنيين أوساً وخزرجاً ، وهم من عرّفهم صلوات الله عليه بالأنصار .
الهجرة الأولى للمسلمين إلى الحبشة ، تدل على اجتهاد نبينا في إيجاد محمية قوية تحمي الدعوة الجديدة ، ولكن الحبشة أثبتت بعد ذلك أنها لن تكون ذلك المحضن الآمن ، بسبب الطبيعة المجتمعية ، التي لم تسمح حتى للنجاشي أن يعلن اسلامه ، ولهذا تحوّلت أنظار المسلمين عن الحبشة إلى يثرب ، موطن اليمني المهاجر ، والذي يحمل ثقافة الدولة .
اليمن في هذه الفترة المبكرة في تأريخ الإسلام ، كان يمكن أن يكون المحضن للدعوة الإسلامية الناشئة ، ولكن تفكك الدولة فيه ، والذي حدث وللأسف قبيل بزوغ الميلاد المحمّدي بوقت ليس طويلاً ، أضاع الفرصة على اليمن أن تكون هي المهد الأول للدولة الإسلامية الكبرى .
ثقافة الدولة لدى اليمني ، شهد بها القرآن ، في أكثر من موقع ، مع استشارة ملكة سبأ لمجلسها ، وفي الوصف القرآني الرائع لمملكة سبأ ، والجنتان عن يمين وشمال . ثم يأتي التخصيص القرآني بوصف اليمني بممارسة الشورى ؛ “وأمرهم شورى بينهم ” ، حيث الشورى ، من أخص الخصائص في ثقافة الدولة وقيام الدول .
تتجلى ثقافة الدولة لدى اليمني ، في أخطر مرحلة في تأريخ الإسلام ، بعد وفاة نبينا صلوات الله عليه ، حيث مثّلت وفاة نبينا ، صاعقة على المسلمين ، ولكن اليمني من خلال ثقافة الدولة لديه ، لم يستسلم لصاعقة الحُزن تلك ، فانطلق الأنصار مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة ، ليتشاوروا في اختيار من يقود الكيان والدولة بعد وفاة رأسها.
ثقافة الدولة ، أعطت اليمني وسام المبادرة إلى سقيفة بني ساعدة ، كما أن ثقافة الدولة تلك ، قد أعلمته أن الإختلاف في الرأي والإصرار عليه ، لايتناسب مع ثقافة قيام الدول ، لذا فقد التف الأنصار حول قيادة من خارجهم ، متمثلة في الخليفة الأول أبوبكر الصديق رضي الله عنه .
ثقافة الدولة هذه لدى اليمني في ظل الإسلام ، إنعكست على اليمني حيثما حلّ سواءً في اليمن أو خارجه ؛ لذا نجده ينشيء الدولة في موطنه وكان أبرزها ، الدولة الصليحية ، ثم تبرز بعد حين الدولة الرسولية ، والتي يصفها والدي العلامة المؤرخ في كتابه “اليمن الإنسان والحضارة ” ، بأنها أول دولة يمنية كبرى ، نشأت بعد انهيار الدولة الحميرية قبيل الإسلام.
اليمني في ظل الإسلام ، أثبت أنه حضاري بطبعه ، فهو لايتقوقع في بني جنسه ، فثقافة الدولة لديه ، جعلته ينطلق بعقلية عالمية أمميّة ، ليشارك في الكيانات الإسلامية الكبرى ، فكان جندياً وكان قائداً وكان أميراً ، في بقاع العالم المتعددة ، من أقصى أسيا مروراً بأفريقيا ، وصولاً إلى أوروبا . ويكفي أن نشير أن أعظم ملوك أوروبا ، كان اليماني الأندلسي المنصور بن أبي عامر (327 – 392 هـ / 938 – 1002 م) ، والذي كان يهابه جميع ملوك أوروبا ، والذي بلغت في أيامه الأندلس ( أسبانيا + البرتغال + جنوب فرنسا ) ، أوج قوتها على الإطلاق.
ثقافة الدولة لدى اليمني اليوم ، وشهامته وعزّة نفسه ، وإقدامه وشجاعته وتضحيته ، هي من ستتحدى جميع من يراهن على وحدة اليمن وجمهوريته ، فاليمن غني بطبيعته الجغرافية ، وموارده الطبعية ، وكثافته السكانية ، التي تؤمّن سواعده العاملة الوطنية ، والتي لاتنشأ الدول عادة بدون سواعد أبناءها.
مصدر المقال