“أنا شيوعي عند الإخوان إخواني عند الشيوعيين،، شيوعي إخواني عند أجهزة الأمن” لم يكن فيلسوف اليسار الإسلامي حسن حنفي رحمه الله في هذه العبارة التي فصّلها في مذكراته القديمة ” من العقيدة إلى الثورة” يتضجر من هذه التهمة، ولا يعدها تهمة لأن جوهر مشروعه” اليسار الإسلامي” يهدف إلى تحقيق التوافق الوطني بين الإسلاميين والعلمانيين، والخروج متاهات حرب عبثية بين الطرفين تغذيها أجهزة مخابراتية لأنظمة استبدادية أدمنت توظيف الإسلاميين كلاباً للنباح ضد القوميين والشيوعيين، وتوظيف الشيوعيين والقوميين كلاباً للنباح ضد الإسلاميين، وتغذية هذه الحالة الكلابية باغتيال هنا واغتيال هناك حتى تضمن احتدام الصراع بين أبناء الشعب الواحد، وتوظيف بعضهم لإقصاء البعض الآخر لذبح الثور الأحمر بعد ذبح الثور الأبيض أو تطويع الثور الأخير لخدمة مشروع القمع . وفي هذا السياق كان حسن حنفي يطرحه مشروع اليسار الإسلامي، ويتساءل: “أليس من الأجدى التقريب بين التيارين الاسلامي والعلماني بحيث يقل الخلاف بينهما وهما رئتا الأمة وعيناها وساقاها ويداها؟” كان حنفي يدرك الصعوبات التي تواجه الفكرة، فاليسار الاسلامي في عيون العلمانيين الاستقطابيين يسار متخفٍ، وعند الاسلاميين السلفيين علمانية متسترة وكلا الطرحين المتطرفين يعتقدان أنه لا يمكن الجمع بين الاثنين. ولهذا أكد أن الطريق ما يزال طويلاً لرأب الصدع، وجمع التيارين المتصارعين مع تلميحه إلى أن صيرورة الصراع ستنتهي بهذه الحالة التوافقية في خطاب واحد يجمع الاسلاميين والعلمانيين على أسس واحدة لتحقيق المصلحة الوطنية. فالإسلام – كما يرى حنفي- اشتراكي في تأكيده على العدالة الاجتماعية والانتصار للمستضعفين، وهو في نفس الوقت ليبرالي في احترامه للحريات العامة وحقوق الإنسان، و هو بالنسبة للقوميين ثقافة العرب وكيانهم الحضاري.
كان المفكر حسن حنفي يتحلى بهذه الروح التوافقية رغم حملات التفكير التي تعرض لها، وله مع حملات التكفير -كما أشار في مذكراته الجديدة- تجربة سيئة في اليمن عندما زار صنعاء لإلقاء محاضرات في جامعة صنعاء واضطر لمغادرة اليمن.
ولم تؤثر جميع هذه الحملات على إخلاصه لمشروعه التوفيقي، وكراهيته لنزوع العلمانيين إلى استسهال الاصطفاف الايديولوجي للهجوم على الاسلاميين، و تشريع قمعهم، وكما كان يرفض الاستبداد الديني فقد كان يرفض أيضا الاستبداد العسكري ويرفض استخدام الاستبداد الديني لتبرير الاستبداد العسكري أو الاستبداد العسكري لتبرير الاستبداد الديني.
ورغم أن العمر امتد بحسن حنفي حتى شاهد اجهاض جميع ثورات الربيع العربي وأخرها ثورة الياسمين في تونس؛ فقد ظل يدافع عن الربيع العربي ويؤكد أن ” الثورة باقية في القلوب. قد تتكرر لأن نتائج الثورة الأولى لم تتحقق. تنفجر حين يحين وقتها. (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا)”.
تغمد الله المفكر حسن حنفي بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.
إقرأ للكاتب أيضاً أزمة الدولة الوطنية العربية كما يشخِّصها هشام جعيط