حقيقة اختطاف الأطفال في السويد.. بين قوانين  السوسيشال  وحملات  السوسيشال ميديا

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
حقيقة اختطاف الأطفال في السويد.. بين قوانين السوسيشال وحملات السوسيشال ميديا مجيب الحميدي* يفر بعض اللاجئين العرب من جحيم أنظمة القمع التسلطية إلى أوربا ولكن ثقافة التسلط والاستضعاف المتراكمة...

 

حقيقة اختطاف الأطفال في السويد.. بين قوانين  السوسيشال  وحملات  السوسيشال ميديا

مجيب الحميدي*

يفر بعض اللاجئين العرب من جحيم أنظمة القمع التسلطية إلى أوربا ولكن ثقافة التسلط والاستضعاف المتراكمة من بيئة الاستبداد ماتزال تجري في دمائهم، ولا يجد بعضهم أي قناة لتفريغ هذه الغرائز التسلطية إلا على المستضعفين من أطفالهم، فيصطدمون بقوانين تمنع العنف ضد الأطفال وتسحب الطفل من عائلته إذا ثبتت اساءة المعاملة، ويمر إثبات الإساءة عبر تقارير ميدانية وأحكام قابلة للاستئناف تليها أحكام نهائية، وحينها ترتفع بعض الأصوات للتنديد باختطافات مزعومة للأطفال، وتعتمد هذه المزاعم على شهادات آباء مدانين بالعنف وارتكاب الإساءات بأحكام قضائية، وبعد فشل هؤلاء الآباء في المواجهة القضائية القانونية، يلجؤون إلى استثارة العاطفة الدينية والقومية والادعاء بوجود اختطافات منظمة لأطفال العرب والمسلمين  مع أن القوانين تطبق هناك على جميع المواطنين الأصليين والمقيميين الوافدين بدون تمييز ديني أو عرقي، والقوانين لم تستحدث مع قدوم اللاجئين فقد تم تشريعها في سبعينات القرن الماضي وتعد القوانين السويدية من أكثر القوانين صرامة في حماية حقوق الأطفال على مستوى العالم، وكان على اللاجئين الاطلاع على هذه القوانين مسبقاً قبل طلب اللجوء إذا كانوا لا يثقون بأطفالهم أو بحسن معاملتهم لأطفالهم، وكون أغلبية الأطفال الخاضعين للحماية من عائلات عربية لا يعني بالضرورة وجود استهداف للعرب بقدر ما يعني تراكم ثقافة التسلط والاستضعاف في البيئة العربية.

كنت أتحاور مع أحد الأصدقاء حول هذه الظاهرة فسألني: هل هناك من هو أرحم بالطفل من أمه وابيه؟ قلت له هذا السؤال ينبغي توجيهه للأطفال اللذين يقررون الفرار من عائلاتهم، لماذا يختار الطفل ترك أمه أو والده؟ هل سيفعل ذلك بدون مبرر حقيقي ودون وجود ضرر بالغ وأذى جسدي ونفسي لا يتحمله؟ لماذا لا نتساءل: ما الذي يدفع هؤلاء الأطفال لترك أمهاتهم وأباءهم وطلب الحماية؟

والتساؤل الأهم الذي نحتاج إلى طرحه على أنفسنا يتعلق بوضعية الأطفال في البيئة العربية، فعلى سبيل المثال لدينا في اليمن آلاف الأسر التي لا تجد غضاضة بتسليم أطفالها لمليشيات العنف لتزج بهم في الحروب ولا يعودون إلا جثامين هامدة أو بإعاقات دائمة أو مختلين عقليا ونفسيا، فهل هؤلاء الآباء والأمهات مؤتمنون على حماية أبنائهم؟ وهناك إحصائيات تؤكد وجود آلاف الحالات من الاعتداءات الجنسية الأسرية على الأطفال في الدول العربية، وتؤكد دراسة مصرية أن 90% من أمثال هذه الجرائم لا تصل إلى أجهزة الأمن. ألا يحتاج هؤلاء الأطفال إلى قوانين حماية شبيهة بالقوانين الموجودة في بعض الدول الأوربية؟

وتؤكد الدراسات أن ثقافة العنف ضد الأطفال متجذرة في الثقافة العربية وجميع قوانين الدول العربية تجيز للآباء ممارسة العنف الجسدي باستثناء تونس رغم أن وجود القانون في تونس لم يمنع من تصاعد ظاهرة العنف ضد الأطفال في السنوات الأخيرة، وتؤكد الاحصائيات أن معدلات ممارسة العنف الأسري ضد الأطفال في الوطن العربي مرتفعة بمستويات كبيرة وتشير بعض الدراسات إلى أن 4 من كل 5 أطفال يتعرضون للعنف، وحسب إحصائيات اليونيسف فإن اليمن والعراق تتصدران قائمة الدول العربية في ممارسة العنف ضد الأطفال، وسجلت دوائر الأمن الوطني بالمغرب في الفترة ما بين الأعوام 2007 و2012 ما يزيد على 11 ألف حالة عنف جنسي بالمغرب ضد الجنسين.

هذا الواقع المرعب الذي يعيشه الأطفال في الوطن العربي يغيب عن بال الكثير من المتحمسين في مواقع التواصل الاجتماعي مع قضايا سحب الأطفال من الآباء المدانين بارتكاب جرائم عنف ضد أطفالهم في السويد رغم ما  يحيط بهذه القضايا من معلومات مظللة يتم ترويجها في مواقع التواصل عن وجود اختطافات لأطفال العرب والمسلمين في السويد وتختلط في هذه الأخبار بعض الحقيقة المشوهة بلغة الشحن العاطفي والمبالغات وإخفاء بعض الحقيقة وإظهار بعضها، وعند التدقيق في كل قضية نجد أن وراء سحب كل طفل هناك مشكلة إساءة حقيقية، وبعض الآباء و الأمهات المدانين بالإساءة من المختلين نفسياً أو المدمنين. وهذه المبالغات والمعلومات المضللة توفر مادة دسمة لأحزاب اليمين المتطرفة لتغذية ثقافة الكراهية والتحريض أكثر ضد اللاجئين والمسلمين.

وكما أشرنا سابقاً فإن السويد تعد عالمياً من أفضل الدول في تطبيق القوانين الصارمة لحماية الطفولة وقد قامت السويد بتأهيل المواطنين الأصلين للتعامل مع هذه القوانين وتحتل مكانة مرموقة في احترام حقوق الإنسان تجعلها وجهةً مفضلة للباحثين عن اللجوء. وفي تقديري أن الضجة الأخيرة تقف خلفها فجوة ثقافية بين آباء قادمين من مجتمعات يعد العنف جزءًا من نسيجها الاجتماعي والثقافي وحقاً مشروعاً في القوانين المحلية إلى مجتمع يطبق قوانين صارمة للدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الطفل.

ختاماً اتمنى أن يستجيب المسلمون في السويد لدعوة مجلس الافتاء السويدي بعقلنة هذه الاحتجاجات والتركيز على معالجة بعض التجاوزات وبلورة مطالب معقولة كالسماح للوالدين بزيارة الأطفال وإعطاء الوالدين فرصة أخرى لإثبات حسن رعايتهم لأبنائهم، وتأهيل عائلات من المسلمين تعمل على إيواء ضحايا الاساءات من الأطفال اللاجئين مع التركيز على تأهيل الآباء والأمهات من اللاجئين على كيفية التعامل مع القوانين الصارمة في السويد لحماية الطفولة.

 

* باحث دكتوراه في التربية الإعلامية والمعلوماتية

إقرأ للكاتب أيضاً تحريم تقديس فتاوى الفقهاء في أدبيات مدرسة الاجتهاد اليمنية. مجيب الحميدي

مقالات قد تهمك

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ يوم
حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ أسبوعين
علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ شهر