اليمنيون | متابعات
تشير دراسات أكاديمية متخصصة في الاقتصاد السياسي وسلاسل القيمة إلى أن القهوة ما تزال تُدار في السوق العالمية بوصفها سلعة تجارية تُصنع قيمتها الأساسية في مراحل التحميص والتغليف والتسويق، بينما يبقى نصيب المزارعين في الدول المنتِجة محدودًا مقارنة بالسعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
الباحث الكندي غافن فريدل قال في دراسة نشرها عام 2007 في مجلة Historical Materialism بعنوان:
Fair-Trade Coffee and Commodity Fetishism إن السعر الذي يدفعه المستهلك في أوروبا والولايات المتحدة “لا يعكس كلفة العمل الزراعي ولا مستوى دخل المنتجين، بل يتحدد أساسًا في الحلقات التجارية اللاحقة التي تسيطر عليها شركات متعددة الجنسيات”. وأضاف فريدل أن العامل في دول منتجة مثل إثيوبيا أو كولومبيا قد يحصل على أقل من دولار واحد يوميًا، في وقت يُباع فيه الكيلوغرام الواحد من القهوة في أسواق الاستهلاك بأكثر من 20 دولارًا بعد المعالجة التجارية.
هذا التوصيف يتقاطع مع ما خلص إليه الباحث إيان هدسون في دراسة نشرها عام 2003 في مجلة Organization & Environment بعنوان:
Removing the Veil? Commodity Fetishism, Fair Trade, and the Environment حيث قال إن برامج “التجارة العادلة” حسّنت بعض شروط التبادل، لكنها “لم تغيّر البنية الأساسية لتوزيع الأرباح”، إذ ما تزال تعمل ضمن منطق السوق نفسه ولا تمس مراكز القوة التجارية. وفي الاتجاه ذاته، أوضحت الباحثة بايج وست في كتابها الصادر عام 2010 بعنوان:
Making the Market أن سوق “القهوة المختصة” أعاد إنتاج العلاقة نفسها بين المنتج والمستهلك، مع إضافة سرديات ثقافية وتسويقية عن المنشأ والجودة، لكنها لم تؤدِّ إلى تحسن ملموس في دخول المزارعين. وأكد هذا المسار الباحث الأميركي إدوارد فيشر في كتابه الصادر عام 2019 بعنوان:
Quality and Inequality حيث قال إن ما يُعرف بـ“الموجة الثالثة” في القهوة يصنع “قيمة رمزية عالية” للمنتج لدى المستهلك، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى تحسين اقتصادي مباشر لصغار المنتجين في دول المنشأ. وتوصلت دراسة أخرى نشرتها مجلة World Development عام 2018 بعنوان:
Upgrading for whom? إلى أن برامج “العلاقة المباشرة” بين المحامص والمزارعين حسّنت موقع الشركات الوسيطة في السوق أكثر مما حسّنت أوضاع المنتجين أنفسهم. وفي مثال عملي على مركزية “القيمة الرمزية” في صناعة القهوة، وثّق فريدل محاولة الحكومة الإثيوبية عام 2005 تسجيل أسماء مناطق إنتاج البن (Sidamo وHarar وYirgacheffe) كعلامات تجارية دولية، بهدف ضمان حصة أكبر للمزارعين من سعر البيع النهائي. وبحسب الدراسة، واجهت الخطوة معارضة من شركات ومنظمات تجارية أميركية، قبل أن تنضم منظمة أوكسفام إلى حملة ضغط دولية انتهت بتوقيع اتفاق مع شركة Starbucks عام 2007.
الاتفاق منح إثيوبيا حق التحكم في استخدام أسماء مناطقها المنتِجة في التسويق الدولي، وألزم الشركة بالتعامل معها بوصفها مالكة للمؤشرات الجغرافية، بدل استخدامها بحرية في السوق، وهو ما سمح برفع القيمة التسويقية للبن الإثيوبي لصالح المنتجين. وقدّرت الدراسة أن هذه الخطوة يمكن أن تضيف نحو 88 مليون دولار سنويًا إلى دخل المزارعين، مقابل زيادة طفيفة في السعر النهائي للمستهلك لا تتجاوز 5%. ويرى باحثون أن هذه المعطيات تفسّر استمرار الفجوة بين السعر الذي يدفعه المستهلك والدخل الذي يحصل عليه المنتج، رغم توسّع برامج التجارة العادلة وصعود سوق القهوة المختصة، في ظل استمرار سيطرة شركات التحميص والتوزيع على الجزء الأكبر من القيمة المضافة في الصناعة.