ذكرى 14 أكتوبر وإحياء الثورة اليمنية

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يا أصدقائي إن الله ضرورة لي لأنه الوحيد الذي يمكن أن يحبه المرء حباً أبدياً" دوستويفسكي الثورة اليمنية ليست بدعة بين ثورات العالم، لقد كابد شعبنا الويلات وعاش الناس...

يا أصدقائي إن الله ضرورة لي لأنه الوحيد الذي يمكن أن يحبه المرء حباً أبدياً" دوستويفسكي

 

الثورة اليمنية ليست بدعة بين ثورات العالم، لقد كابد شعبنا الويلات وعاش الناس في أقسى الظروف منذ عشرينيات القرن الماضي، خرج اليمن بعد غياب طويل كعنقاء الرماد، بحثاً عن ذاته وهويته ودولته التي هي حق لا تنازل عنه تحت أي ظروف، هذه الثورة التي رسمت معالمها في 17 فبراير 1948م كانت لأجل استعادة وبناء الدولة اليمنية وفقاً لهوية وطموح شعبنا وحقه في التعبير عن ذاته عبر بناء مؤسسات دولته المستقلة ذات السيادة.

 

 هاشمية سياسية في الشمال واحتلال إنجليزي في الجنوب، قاما بشطر خريطة اليمن وبناء كيانين مسخين هنا وهناك، لكن هذا لم يستطع لي عنق الحقيقة، ولم تكن الحركة الوطنية غير مدركة لهذا التمزيق المتعمد، فلقد تصدت لهذا التشطير القسري منذ الثلاثينات، بالإضافة إلى عدم الاعتراف بالتشطير واستمرار الحياة على الأرض كما هي والتنقلات استمرت في أجزاء البلاد بشكل طبيعي كما أن حركة الأسواق لم تتغير وظلت عدن هي السوق اليمنية لكل أبناء اليمن، ومثلت مدرسة الإمام البيحاني النواة لحركة المجتمع و مقاومة الاحتلال والهاشمية السياسية، فلقد أسس الإمام البيحاني (نادي الإصلاح الإسلامي) سنة 1929 م، ومثله أسس محمد علي لقمان (نادي الإصلاح العربي) -كلاهما في عدن- وتأسست النقابات العمالية والمتلقيات والاتحادات  ومن هناك بدأ التنوير و التثوير، فكانت الحركة الوطنية التي انتشرت في أنحاء البلاد.

 

الثورة فكرة مستنيرة أتت نتيجة لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تحولت بفعل الوعي إلى حدث اجتماعي غيّر مجرى التاريخ، تعرضت الثورة اليمنية لضربات منذ بداياتها ولثورات مضادة في كل محطة من محطاتها الأربع :(1948 و 1962 و 1963 و 2011) هذه الثورات المضادة التي أتت متوازية مع الثورة في كل مراحلها لم تكن عفوية أو مجرد ردات فعل هي فعل مضاد لإنهاء فكرة قيام دولة في اليمن، والثورة هي في الأساس فعل جمعي لأجل إقامة الدولة، ووجود دولة في اليمن اعتبر خطراً يومها على الاحتلال والهاشمية السياسية، فإذا كانت مرحلتي 26 سبتمبر 1962 و14أكتوبر 1963 قد كسرت الاحتلال في الجنوب والهاشمية السياسية في الشمال فإن ثورة 1948م كانت الأساس لإعادة بناء وترميم الذات اليمنية ووضع الفكرة الأولى للدولة ذات الدستور، وجاءت ثورة 11 فبراير 2011م لإعادة العمل بالدستور وإعادة الدولة من مهاوي السقوط الذي أوشك على الحدوث فكثير من التقارير كانت تتحدث قبل الثورة عن وصول الدولة إلى مرحلة الفشل.

 

الثورة هي يقظة الأمة وفعلها لمواجهة الأخطار، وليست فوضى ولا انفلات، الثورة في مرحلتها السبتمبرية انتجت التعليم من المدرسة إلى الجامعة والصحة وبناء منظومة الدولة وهيكلتها الإدارية، كما تم الاهتمام بالزراعة والصناعة وبدأ مصنع الغزل والنسيج وأتت الشركات الوطنية والبنوك، ومثل ذلك أنتجت الثورة الأكتوبرية، وبدأت اليمن تسير على خطى التنمية، فالثورات ليست مجرد تغيير جزئي بل تغيير كلي في المجتمع وفي السياسة والاقتصاد.

 مرحلة الخمسينيات هي مرحلة ثورة في أرجاء المنطقة العربية، مع أنها جوبهت من قبل قوى الرجعية والاستعمار إلا أن الظروف الدولية ساعدت على بقاء الأنظمة الجديدة في ظل استقطاب دولي بين قطبي العالم المتمثل في الرأسمالية و الشيوعية، هذا القطبية لم تكن موجودة في 2011م ومن أدعوا دعم الديمقراطية و تصديرها تخلوا عنها مقابل إتاوات باهظة، لكن الثورات لا تموت مهما كانت الثورة المضادة قوية أو مدعومة من أنظمة خارجية، فالثورات المضادة لا تعدو كونها مجرد ردات فعل تسقط بتقادم الزمن وبتأكل حججها ومبرراتها وانكشافها مع الأيام.

 

إن عملية الإحياء الثوري يجب ألا تتوقف حتى تستمر الثورة في شق طريقها عبر العقول، العقل اليمني يجب أن يعمل وألا يسلم بالموجود، كما أن الإحتفاء بالثورة في أي من محطاتها الأربع يعطي دافعاً للجماهير أن تثور ضد كل ما يخالف بناء الدولة اليمنية المستقلة وذات السيادة.

 

اليوم اليمن يعاني من محاولة تجهيل باليمن بذاته بحضارته بثقافته بهويته ودولته، والإحياء الثوري هو السبيل الأمثل لتصحيح مسارات الوعي الجماهيري، مقابل المال والطمع بالمال ينكر البعض يمنيته، ويسكت البعض حنقاً من ذلك، وهذا السكوت خاطئ فالمسألة ليست جدلاً عقيماً، فمن ينكرون اليمن ينقصهم الوعي بحقائق التاريخ ودلالات الجغرافيا، ومعرفة بالأنثروبولوجيا وبديمغرافية السكان، هناك نقص في الوعي وجهل بدلالات اللغة وبالشعر وبالقرآن العظيم وبالتاريخ وبكل الموروث الثقافي اليمني الكبير، ما بال القوم لا يفهمون أعظم شعراء العربية على الإطلاق امرؤ القيس الكندي وهو يرتل التاريخ و الجغرافيا كما يرتل الحب و المشاعر في كل أشعاره؟ في مطلع معلقته التي تعد الأولى بين معلقات من أتوا بعده يقول:

قفا نبك من ذِكرى حبيب و منزل

بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ

فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمهاَ

لما نسجتْها من جَنُوب وَشَمْأَلِ

ففي اللغة اليمنية القديمة وهي لغة كل العرب الذي بقوا أو خرجوا من اليمن إلى كل أرجاء شبه الجزيرة العربية وكل الشرق الأوسط وشمال وشرق أفريقيا" القرن الأفريقي"، ففي شبه الجزيرة العربية كانت الجغرافيا شمال الجزيرة وجنوبها، شمال تعني الشام وجنوب تعني اليمن، واليمن أوسع وأكبر من مسمى الجمهورية اليمنية اليوم، وهو ما نقصد به اليمن الكبير أو اليمن الطبيعي الممتد في معظم أرجاء شبه الجزيرة العربية، وهذا هو معنى (جَنُوب وَشَمْأَلِ) في مطلع معلقة امرؤ القيس، كما أن (يمنت) جزء من دولة ملوك اليمن الذين حكموا البلاد كلها، كان الملك يلقب بملك "سبأ وذو ريدان وحضرموت و يمنت وأعرابهم في المرتفعات والتهائم" و"يمنت" بحسب الأقاليم في الدولة الحميرية تشير إلى إقليم في جنوب البلاد.

 

هل اليمنيون اليوم يحتاجون إلى يمننة القضية الفكر والمفاهيم والأهداف حتى لا يتيهون في الصحراء؟ ولما لا!؟ وكل هذا الهجوم على اليمن حضارة وإنساناً وهوية ودولة، لا سبيل للتنازل عن الدولة ولا عن أساسها وهو الهوية اليمنية، مالم تستطع فعله دولتي سبتمبر وأكتوبر هو بناء دولة على أساس الهوية اليمنية الواضحة، مع أن النية كانت موجودة لكن الظروف التي مرت بها البلد ومراحل الضعف قد تكون حالت دون ذلك، إن انتزاع اليمن من ذاته ومن هويته يمثل تحد كبير أمام اليمنيين اليوم، فانقلاب الهاشمية السياسية لا تعني له اليمن شيئاً، فالانقلاب يريد اختلاق دولة على مقاسه الخرافي المزعوم، والمشاريع الصغيرة الجهوية والعصبوية تريد دولة لا تمت للواقع بصلة، وكل هذه الكيانات المشبوهة لا تنتمي للثورة اليمنية ولا لمرحلتي 26 سبتمبر 14 أكتوبر، فكلا الدولتان اللتان تشكلتا في جزئي اليمن أطلقت اسم اليمن على مسماها الجديد: ( الجمهورية العربية اليمنية في الشمال و جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب) كانت الحركة الوطنية في الاربعينيات عبارة عن فكرة وطنية نتجت عنها ثورة 1948م، وهي امتداد لنخبة 1929م التي صنعاها الكثير من الرموز، محمد علي لقمان وباذيب، والبيحاني وغرسها مع رفاقه القاضي الخطيب والشاعر محمد محمود الزبيري، والأستاذ الخطيب الفقيه محمد أحمد نعمان، جمعت بينهما عدن والقاهرة، وهما منارتا العروبة والإسلام في ذلك العهد المناوئ لقوى الاستعمار والرجعية المدعية للحق الإلهي والرجعية في خطاب حركة التنوير في تلك المرحلة هي ما نسميه اليوم بالهاشمية السياسية.

 

وللأسف اليوم بعض الدوائر الرسمية والشخصيات التي في الواجهة بدأت تتراجع عن فكرة المد الثوري المنتمي لثورة 11 فبراير2011م لوقوعها في حبائل الثورة المضادة، ولأنها لم تتخلص من عدائها للثورة السلمية، وهذه الشخصيات فعلياً لا تربطها بالثورة اليمنية سوى الاحتفالات المزيفة بمناسبات سبتمبر وأكتوبر، فإذا كانت ثورية بمعنى انتمائها للثورة اليمنية قبل 2011م كما تدعي فلماذا تتهرب من ذكر ثورة 14 أكتوبر أو الاحتفاء بها؟!

 

حتى لا تجرح الاحتلال أو تخدش حيائه مثلاً، أو حتى لا يُظن بها الاحتلال المتجدد ظن السوء، إننا أمام نسخ مشوهة مهزوزة ليست الثورة عندها إلا وصول إلى كرسي ومنصب وموقع قيادي، وبسبب وجود هؤلاء البعض فإن عجلة التقدم واقفة، والمشاريع الصغيرة تتكاثر، لكن الثورة قدر الأمة اليمنية، ولا مفر من قدر، وكل الاستحقاقات الثورية ستتحقق ولو بعد حين، والنصر أقرب مما يتخيل الواهمون أو الحالمون.

إعادة نشر/ نشر هذا النص في 15/10/2018

مقالات قد تهمك

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ 6 ساعات
حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ أسبوعين
علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ شهر