يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

يمانيون في موكب الثورة

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
متعباً، كنت مرهقاً يائساً مني ومن كل شيء، آوي وجعاً لا ينام، وأصحو على صباحات ليست لي. أكابد غربة قاتلة، لا أكاد أجد ما أتشبث به، ضائعاً تتسع داخلي المتاهة...

متعباً، كنت مرهقاً يائساً مني ومن كل شيء، آوي وجعاً لا ينام، وأصحو على صباحات ليست لي. أكابد غربة قاتلة، لا أكاد أجد ما أتشبث به، ضائعاً تتسع داخلي المتاهة ويتعاظم الخواء.  

كنت مختنقاً بإخفاقات كثيرة، إلى ذاك الحد الذي "لا يجد فيه يقينك هواءً يتنفسه".

ربما اختبرنا جميعًا هذا التوتر، هذا الشعور العاصف بالألم والوحشة إذ تجد نفسك تائهاً، لا مكان، ولا كيان، لا وطن غير الندم. يوهي واقعك الشائه علاقتك بذاتك، بحاضرك، بماضيك، بمستقبلك. لتعيش القطيعة ليل نهار، منكسرًا تهزمك ضرورات اليوم والليلة، تتلوى كمحارب مخذول لا يدري لماذا خسر معركته، ولا كيف أسلم نفسه للهزيمة قبل الأوان؟

كنت أغرق في الكآبة والضجر، يتآكلني العجز في محيط من مبكيات، غير أن يمناً آخر كان في انتظاري، وكذا فتىً آخر غير الذي كنته، فتىً بزغ فجأة من وهج العصور:

وبدأت أحس بزوغ فتى  

غيري من مزقي يتكون

بحسب البردوني.

عدت من الهيئة العامة للكتاب بـ"تاريخ اليمن في مقدمة ابن خلدون"، الذي حققه الراحل محمد حسين الفرح.  

قرون من العنفوان والمجد. يومها كتبت منتشيًا كمن وجد نفسه: "انظر ابن من أنت؟ وعلى أي أرض تقف؟ ومن أي سماوات تتحدر؟" وخجلت من ضعفي المهين.

هو من تلك الكتب التي تعيد بناء الذاكرة الوطنية، تعيد تشييد الوجدان الذي خربه الواقع، تصلنا بامتدادنا الأصيل، بالجذور لنرى أنفسنا أكثر رسوخًا وثباتًا، أكثر شموخًا ورفعة، عصيين على الاقتلاع.

كان الفرح أحد عشاق اليمن الكبار. في إنتاجه شغف هاوٍ، مولع بتسلق القمم، بمتابعة الروح المتدفقة من نهر المهد، عوالم وفضاءات رحبة وخصبة.  

يمثل كتابه الآخر "يمانيون في موكب الرسول" توقيعًا على ذات الولع.

كانوا معي قبل شهور عديدة، ندى يسبق الخطو، عبقًا يملأ الأرجاء ما بين مكة والمدينة. كانوا معي رفاق درب، ينيرون الطريق، يدلونني عليّ، يتلامعون بروقاً في كل أفق، سحائب خير، قادة أفذاذًا، أبطالًا كبارًا، أسهموا في إدارة عجلة التاريخ، تعرفهم كل أرض، وتشير إليهم كل سماء.

أتذكر بحب ذلك الصباح الفرح، في دار الكتب، حيث أقامت وزارة الثقافة أيام خالد الرويشان فعالية تكريم للفرح قبيل وفاته بشهور. قدمته يومها ببعض شغفه، حييت روحه العاشقة لليمن واليمانيين، سألته بدهشة وارتعاش: تُرى كيف تنام وفي قلبك تصحو كل هذه الأزمنة؟

هم اليمنيون، على مر العصور أحرار ثوار، لا يقيمون على ضيم، لم يعيشوا نكرات، استلفتوا انتباه الحقب برجولتهم وشجاعتهم وحضورهم وشمائلهم الكريمة.  

خطاهم على جسد الأرض عزف الروح الأبية، ونشرهم طيب الأرض، أم كل الطيوب والمكرمات.  

الفضاءات عشقهم المتوارث، هم الناس،  "وما الناسُ في البأسِ إلا اليمن".

مقالات قد تهمك

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية
آراء

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية

يتناول أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، في الحلقة الثانية من رده على مهندس الاتصالات عمر شوتر، ما طرحه الأخير خلال ظهوره الثاني في بودكاست «مجتمع» مع الدكتور باسم الجمل بشأن نقل جغرافية التوراة و«أرض الميعاد» إلى اليمن. ويفنّد المخلافي عددًا من الأدلة الجغرافية والتاريخية التي استند إليها شوتر، ويناقش منهجه في قراءة النصوص التوراتية وأسماء المواضع والممالك والطرق التجارية والبخور، ومدى صلته بالنقوش والآثار والتاريخ اليمني القديم.

منذ يومين
آثار اليمن: التاريخ المنهوب والهوية المستباحة
آراء

آثار اليمن: التاريخ المنهوب والهوية المستباحة

من السدود والمعابد والنقوش إلى مزادات الخارج ومواقع النهب في الداخل، تكشف آثار اليمن قصة حضارة صنعت حضورها في قلب الصحراء، ثم تُركت عرضة للتهريب والتدمير والإهمال. في هذا المقال، يقدّم أ.د. عارف أحمد المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة في جامعة صنعاء، قراءة مكثفة في هذا النزيف الحضاري، وما يفرضه من مسؤولية عاجلة لحماية ذاكرة اليمن وهويته التاريخية.

منذ شهر