(الحلقة الثالثة/ الجزء الأول)
أ.د عارف المخلافي
سبق أن ناقشتُ الحلقة الأولى من مقابلة مهندس الاتصالات عمر شوتر في مقال بعنوان: «مهندس الاتصالات عمر شوتر: أربعون عامًا في دائرة الفراغ المُحَرّف؟!».
كما ناقشتُ الحلقة الثانية في مقال بعنوان: «مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية»، التي بُثت على منصة «مجتمع» بتاريخ 25/7/2026م، وأعلن فيها أنه سيقدم في الحلقة الثالثة أدلته التي سيعرض نصوصها وخرائطها، «وكأنك تشاهد فيلمًا حيًا عن أرض الميعاد في بلاد اليمن».
وفي الحلقة الثالثة من بودكاست «مجتمع» بعنوان: «تحطيم أسطورة أرض الميعاد في فلسطين بأدلة لا تقبل الشك»، التي بُثت بتاريخ 29/8/2026م، ظهر المهندس شوتر -المعروف بأخلاقه وهدوئه- على درجة كبيرة من الغرور، ورغم ذلك «تمخض الجبل فولد فأرًا». والعجيب أنني شاهدت هذه الحلقة منذ الساعة 12 ظهرًا وحتى الرابعة والنصف فجرًا بشكل متواصل، لا أتوقف إلا للصلاة والغذاء، والسبب أنني دوَّنت كل كلمة قالها في 29 صفحة، حتى لا أظلم الرجل. ولعله وقتٌ يتناسب مع الأربعين عامًا التي قضاها المهندس شوتر في إثبات صحة النص التوراتي بماضيه الخرافي، كما أطلق عليه من يسمون بالمؤرخين الجدد، مثل «طومسون» في كتابه «الماضي الخرافي»، وكيث وايتلام في كتابه «اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني». بل قضاها في البحث عن «أرض الميعاد» في بلاد اليمن بحجة خدمة التاريخ الفلسطيني والقضية الفلسطينية التي هي قضيتنا جميعًا، بدلًا من العمل على إثبات خرافية أرض التوراة من الأساس، وهو ما تناولته في مقال بعنوان: «التوراتيون العرب وهوس نقل أرض الميعاد إلى اليمن».
إعلانات التحدي
في الحلقة الثالثة أعلن المهندس عمر شوتر -وبكل غرور- تحديات على النحو الآتي:
1- في الدقيقة (23.10) أعلن أنه سيقدم دليلًا واحدًا ينهي «أور كسدم» إلى الأبد، وقال حرفيًا: «لن يستطيع علماء الكرة الأرضية تفنيده»، بل تحداهم في مواضع أخرى.
2- وفي الدقيقة (51.18) أعلن أنه في حال إثبات أن أي منطقة يذكرها في هذا البرنامج خطأ: «ارموا دراستي في سلة المهملات»، وكرر ذلك في الدقيقة (51.21) في قوله: «إذا كانت نسبة الأخطاء في الدراسة أكثر من 3%، فتُهمل بالكامل». بل سيعتذر وسيتخلى عن مشروعه نهائيًا، كما ذكر في الدقيقة (51.26).
في ردي العلمي هذا على ما ذكره المهندس عمر شوتر، سوف أبدأ بالأهم فالأهم. وفي الجزء الأول أبدأ بكشدم وكور وما يتعلق بهما.
أعطى المهندس عمر شوتر هذه النقطة أكثر من ثلث الحلقة التي استغرقت ساعة واحدة وخمس دقائق، ووقع فيها في أخطاء فادحة تحدى بها علماء الكرة الأرضية! فكرر أساليب وأخطاء من سبقوه، واعتمد على فضل الجثام وفاضل الربيعي ومحمد عيد، وأسلوب كمال الصليبي في اعتماد المتشابهات، وأخذ عن جودت فريحات المتشابهات من كل المحافظات للتدليل على شيوع اسم ما.
يقول: تذكر التوراة أن النبي إبراهيم خرج من «أور كسدم»، والميم زائدة للتنكير في المسند، وللتفخيم في العبرية، ويرى أن المسند هو الصواب.
تحرك إبراهيم من «أور كسدم» وخرج إلى حران، وتكتب بالعبرية المترجمة «حاران»، وفي العبرية (حرن)، وفي القراءة الماسورية (حران) بألف واحدة. وتوجد «حاران» في حضرموت غرب (أور كسديم). ولا توجد كلمة «كسدم» أو «كشدم»، لأن السين تُقلب «ش» بين العربية والعبرية، وبين القبائل العربية، إلا في نقشين معروفين لكل علماء الآثار العرب والأجانب، وهما موجودان في موقع داسي يذكران كسدم بالحرف.
الرد على عمر شوتر
النقش الأول: من العصر السبئي المتوسط (بين القرنين الثالث ق.م والثالث الميلادي)، موجود في «داسي»، نشره ألبرت جام، ويذكر اسم علم، (و ب ن ه/ ك س د م)، وليس اسمًا لجبل أو منطقة، ولكنه قرينة في نظره.
النقش الثاني: وهو الأهم، معروف ومنشور في داسي وفي كتاب «التاريخ المُقَنّع»، ودرسه سعيد السعيد، وهو الذي فصل فيه عمر شوتر وفهمه في غير سياقه، فأخذه ذلك إلى نتيجة أقل ما توصف به أنها «عدمية»، حين قال إن المناطق التي ذُكرت في النقش، مصر وغزة وغيرهما، لا علاقة لذكرها بالتجارة، بل بحملة حربية قامت بها سبأ ضد حضرموت، فالنقش عدَّد المناطق التي احتلها أو حاربها. وهنا وقع شوتر في قاصمة الظهر التي قد تحقق تحديه رقم (2).
فما قصة هذا النقش؟
هذا النقش اعتمد عليه فاضل الربيعي في تاريخه المُقَنّع وسرديته المتخيلة، وها هو عمر شوتر يقع في الخطأ نفسه.
ذكر أن «عم صادق» و«سعد بن علّان»، كبيرَي مصران والجالية المعينية في مصران، خرجا في رحلات تجارية إلى «مصر، وغزة، وآشور، وعبر النهر/ بلاد الشام»، وأنهما تعرضا للخطر، مرة في الداخل بسبب نزاع معين مع سبأ، ومرة في الخارج عندما حدث صراع بين (Mdy) (م د ي) و(Mṣr) (م ص ر)، أي بين الميديين (الفرس) ومصر، ولذلك تَقَرّبوا إلى معبودهم (عثتر ذو قابض) حمدًا على نجاتهم وعودتهم بسلام وأمان إلى مدينتهم «يثُل» (براقش).
و(م ص ر) في النقش، كما يذكر «السعيد»، يُشار بها إلى بلاد مصر، وهو ليس غريبًا، بل عرفته اللغات العربية القديمة (السامية). ففي اللغة الأكدية (نسبة إلى مملكة أكد في العراق القديم) جاء بصيغة (مُصُرْ، مُصر، مِصْر، مِزرُ، مُزِر)، وفي اللغة الأوغاريتية (نسبة إلى مملكة أوغاريت في سورية) جاء بصيغة (م ص ر م)، وفي اللغة الفينيقية (نسبة إلى الكنعانيين الفينيقيين بلبنان) جاء بصيغة (م ص ر ي م)، وفي اللغة الآرامية (نسبة إلى الآراميين الذين انتشرت دويلاتهم في العراق وبلاد الشام في النصف الأول من الألف الأول ق.م) جاء بصيغة (م ص ر ي ن)، وفي اللغة العبرية القديمة جاء بصيغة (مِصْرايم)، وجاء في اللغة العربية الفصحى بصيغة (مِصْر).
وقد ورد اسم (م ص ر) (مصر) كذلك في عدد من النقوش المعينية التي وجدت في (معين) في الجوف باليمن، وفي دادان (العُلا حاليًا) بالسعودية، وذلك في سياق تدوين زواج معينيين من مصريات، ودفع مهورهن.
وكما ذكرنا في كتاب «التاريخ المُقَنّع»، بناءً على المصادر المشار إليها في مواضعها، فإن ذكر اسم (Mdy) في النقش للإشارة إلى الفرس يتفق مع ما جاء في اللغة الآشورية، حيث يرد لفظ (ماداي) Madai، و(أماداي) Amadai، و(ماتاي) Matai، وبالعبرية القديمة (ماداي)، وبالفارسية القديمة (مادا) Mada، وباليونانية القديمة (مادي/ ميدي) Madoi, Medoi.
وبعض النصوص الآشورية لم تميّز بين الفرس والميديين، ولا بينهما وبين البارثيين في إيران القديمة. كما أن الإغريق عندما استعاروا لفظة (Madai) من الآشوريين، استعملوها لتشير إلى جميع القبائل والأقوام الإيرانية، كما سمّى «هيرودوتس» الحرب اليونانية مع الإخمينيين في إيران بالحروب الميدية.
وهذا يؤكد أن استخدام النقش المعيني اسمَي (Mdy) (م د ي) و(Mṣr) (م ص ر)، جاء بقصد (مادي)، الاسم العام للفرس وبلدهم، و(مصر)، في إشارة إلى عودة الفرس لاحتلال مصر مرة أخرى سنة 343 ق.م، كما تقدم، حيث سبق لهم احتلالها سنة 525 ق.م وطُرِدوا منها بثورة سنة 410 ق.م.
والجدير بالذكر أن مصر ذُكرت في النقش كما ننطقها اليوم (م ص ر)، و«غزة» هي نفسها المعروفة اليوم، وليست «القزة» في بني صريم كما ذهب فرج الله ديب، ولا «القُزة» بحضرموت كما قال فضل الجثام وفرج الله ديب، ويتبعهم عمر شوتر، وآشور التي أشار بها إلى العراق كما عرفه التجار، رغم أن دولة الآشوريين كانت قد سقطت، وذلك كما يطلق اسم «الفرس» على إيران بصرف النظر عن الأسر الحاكمة فيها (ميديين، إخمينيين، ساسانيين...).
ولأن النقش يؤرخ بمنتصف القرن الرابع قبل الميلاد، وتحديدًا سنة (343 ق.م)، وهو التاريخ الذي يتفق فعلًا مع عودة الفرس لاحتلال مصر في عهد ملكها «أرتحشستا الثالث»، والذي تسميه المصادر الكلاسيكية «أرتاكسركسيس الثالث» (343–338 ق.م)، وهو الاحتلال الذي استمر حتى دخول الإسكندر مصر سنة 332 ق.م وسيطرته على الشرق القديم كله؛ فإن ذلك يُعطي النقش مصداقية كبيرة، كما يدل على رحلة تجارية إلى تلك الجهات، وليس على مهاجمة سبأ لحضرموت وتعداد المناطق التي سيطرت عليها، كما يزعم عمر شوتر.
والجدير بالذكر أن النقش استخدم بدقة كلمة (ر ت ك ل)، وهي تعني (تاجَرَ) أو خرج بتجارة. ولم يقل «غنم» ولا «احتل» ولا «سيطر» ولا «دمر» ولا «أحرق»... كما يحدث مع النقوش ذات الطابع الحربي. وهذا يدحض ما توهمه عمر شوتر في فهمه للنقش المعلوم والمعروف والمدروس والمتفق عليه، والسبب أنه غير متخصص ولا يستطيع قراءة النقوش على نحو صحيح أو الإحاطة بما ورد فيها ومقارنته بعصره وما دار فيه. وغايته فقط لملمة المتشابهات ووضعها في وعاء واحد يسميه «تراكم الأدلة»، ثم إسقاطها على نصوص توراتية يعتقد بصحتها المطلقة، بل يجتهد لإثبات ذلك ويعلنه دون تحفظ. فيحوّل التجارة إلى معارك، والوديان إلى أنهار، والكلمات إلى حدث تاريخي جديد، وينكر المعلوم بنفس الوتيرة التي تضع المتخيل فوق الزمان والمكان، ويحاول توفيق المتشابهات ثم تلفيقها وتقديم تاريخ مُقَنّع لا يختلف عمن سبقوه، على الرغم من ادعاء تميزه وتفرده عنهم.
موضوع «أور كشدم» وذكر الكلدانيين في نقوش المسند: تفنيد أخطاء عمر شوتر
شارك اثنان من الكلدانيين (الكلديين) في مراسم احتفال الملك الحضرمي «إلعز يلط بن عم ذخر» في القرن الثالث الميلادي، في احتفالاته التي قامت في حصن «أنود» (العُقلة)، وذكرهما أحد نصوص العقلة الذي خلّد هذه الذكرى، كما ذكر معهما تدمريين وهنودًا وغيرهم.
فقد جاء ذكرهم كما يأتي: (ت ذ م ر ي ه ن) (تدمريان)، و(ك ش د ي ي ه ن) (كلدانيان)، وذكر معهما (ه ن د ى ى ه ن) (هنديان). ويُفهم من النقش أن مشاركة التدمريين والكلدانيين جاءت بصفتهم من التجار الذين تعاملت معهم الدولة الحضرمية، كما جرت عليه الأمور في جميع ممالك اليمن القديمة كافة.
وقد أشرنا في النقش السابق إلى «مصر وغزة وآشور وعبر النهر (سوريا وفلسطين)»، وهي المناطق الحيوية لتجارة اليمن القديم، بل ذكر النص كلمة (ر ت ك ل) بمعنى تَاجَرَ، أو خرج للتجارة، وهو ما يتفق مع سياق النص. كما أشارت النصوص المعينية إلى تجارة مع «ددان»، وصور وصيدا بلبنان. ومن ثم لا حاجة للاجتهاد مع النصوص الواضحة.
إن السياق الذي اعتمده عمر شوتر في تقديم تصوره لتاريخه المُقَنّع يجعلنا ندرك بوضوح ودون لبس تعمُّده فهمَ النصوص بطريقة وظيفية تحكمها وتتحكم بها أهداف وغايات. من ذلك إيجاد رابط بين جبل كساد -وهو ليس جبلًا واحدًا، بل سلسلة جبلية بين البيضاء ويافع- وبين ما أشير إليه في التوراة بخصوص أرض الميعاد وصعود إبراهيم عليه السلام إلى قمة الجبل ليرى الأرض الموعودة بعينيه. فسوّغ لنفسه القيام بإسقاطات لا علاقة لها بمنهجية البحث العلمي.
واللافت أنه ذكر أن إبراهيم عليه السلام من المنطقة نفسها ومن قبيلة «كساد»، ولذلك كان يعرفها تمامًا كتحصيل حاصل. وفي ضوء تصوره هذا، يقرر شوتر أن إبراهيم عليه السلام خرج من شبوة باتجاه حران التي قال إنها قريبة من المكان، وأنه رأى الوادي الكبير في يافع الذي هو عند شوتر نهر الفرات. ثم ربط بين «أور كسدم» المذكورة في التوراة، والتي رُبطت من قبل العلماء بأور الكلدانيين بالعراق، وبين ما أسماه «عُر كسدم»، وقال إن اليمنيين في تهامة ينطقون العين همزةً (أ)، ومن ثم تكون «عُر» هي «أور» التوراتية اليافعية وليست أور العراقية. واستدل بوجود معبد في قمة «جبل كسد» وعليه نقش يذكر اسمه «عُر كسدم»، وأن ذلك المعبد بناه إبراهيم عليه السلام، أو بناه أحفاده من بعده تخليدًا له، مؤكدًا أنه يعود إلى عصور ما قبل الميلاد ولا يُعرف بالتحديد متى كان ذلك.
ولكن ما حقيقة الوهم الذي وقع فيه عمر شوتر؟
في الواقع إن شوتر وقع في شَرَك مزاعمه، وحكم على فكرته بالعدم دون أن يدري، أو أنه ظن أن الناس لن ينتبهوا لذلك متأثرين بانبهار الكشف العظيم! إلى درجة أنه تحدى علماء الكرة الأرضية أن يستطيعوا معارضة ذلك أو إثبات خطأ ما ذهب إليه.
دعونا الآن نأخذ (دليله التراكمي)، كما ردد طوال الحلقة عبارة «تراكم الأدلة»:
1- إذا كان إبراهيم عليه السلام من قبيلة «كساد»، فما الداعي لأن يمنحه الرب وعدًا بأرض له ولنسله؟ فهم من أبناء المنطقة ومن قبيلة كبيرة قال إنهم أقاموا إمارة استمرت 400 سنة وانتهت سنة 1967 مع الاستقلال. فهو بذلك في أرض يمتلكها، ولقبيلته فيها دور ومكانة، ومن ثم فلا يحتاج لأرض يسكن فيها هو ونسله، لأن ذلك يستقيم مع الغريب وليس مع المواطن.
2- معبد «ك و ر/ ك س د م» الذي أُقيم للمعبود «عثتر» (ع ث ت ر/ ب ع ل/ ك و ر/ ك س د م)، ووُجد في قمة الجبل، لا يعود تاريخه إلى ما قبل الميلاد كما زعم شوتر، وإنما يؤرخ بمنتصف القرن الثاني الميلادي. وهذا يعني أن بينه وبين زمن النبي إبراهيم عليه السلام، الذي لا علاقة له بهذا المعبد، ما يزيد على 1700 عام. حتى إنه عندما سأله مقدم البرنامج: «ولكن إبراهيم رفع القواعد في مكة»، رد عليه: «لا علاقة لي بالقرآن، وإنما أُثبت صحة جغرافية التوراة»، وهي العبارة التي كررها في الحلقات الثلاث.
3- وقع عمر شوتر في خطأ مميت عندما استدل بنقش زُبِرَ على ذلك المعبد، وفُقد منه السطران الأول والثاني، ودرسه بافقيه وروبان، وأورده خليل الزبيري في كتابه عن عثتر، وغيرهم، فكان موضع الاستدلال بلا أثر منهجي كما سنرى.
أما الخطأ المميت الذي أوقع عمر شوتر نفسه فيه، فهو عندما قُرئ له النص خطأ! فقال إن اسم المعبد «عُر كسدم»، بينما الكلمة المسندية «كور كسدم»، كما مر بنا. و«كور» تعني في لغة المسند الجبل المرتفع، أو المعبد المبني في مكان عال. ويظهر أنه التبس عليه الأمر فخلط بين هذا الاسم واسم «جبل العُر» في يافع أيضًا، أو أنه اعتمد على معلومات غير دقيقة من بعض المواقع ومجموعات التواصل الاجتماعي، ومن ذلك ما سوف نشير إليه لاحقًا.
ولتقديم معلومة دقيقة وموثوقة للقارئ، تُثبت ضعف حجة عمر شوتر وتلاشي قيمتها، قمت بالتحقق من المعنى الدقيق لـ«كشدم» وعلاقتها بالكلدانيين/ الكلديين، ومن كلمة «كور» التي هي جزء من اسم معبد جبل كساد بيافع؛ فتواصلت مع عالم اللغات المسمارية العراقي الشهير، أستاذي ومشرفي في الماجستير بجامعة بغداد، البروفيسور فاروق ناصر الراوي، في بريطانيا، أمد الله في عمره وعافاه، وكان حديثنا يوم الأربعاء الموافق 2/9/2026م، من الساعة السادسة والنصف وحتى السابعة مساء. فماذا قال؟
1- أكد أن مسألة الإقلاب من سمات اللغات القديمة، سواء الأوغاريتية، أو العربية، أو العبرية، أو الآرامية، أو السريانية وغيرها، مثل «كشدو» و«كسدو»، حتى إن بعض اللهجات الآرامية يبادلون بين الشين والكاف، مثل «الكلد» يكتبونها «الشلد». ومن ثم فالأمر لا يقتصر على العبرية واليمنية القديمة.
وبالإضافة إلى ذلك، أكد لي زميل دراستي بجامعة بغداد، البروفيسور كوزاد محمد أحمد، أستاذ الآثار واللغة المسمارية بجامعة السليمانية، أن هناك قاعدة في علم الأصوات في الأكدية بتحويل الصوتين (ld) إلى (shd)، أي (لد) إلى (شد)، كما هو الحال في العديد من الأسماء والكلمات الأكدية والآشورية خصوصًا. وهذا في تقديري يدل بشكل قاطع على صحة ودقة الاسم «كشدم» في نصوص المسند للدلالة على الكلدانيين، وهو ما يتفق مع تحول «كلد» إلى «كشد»، بحسب القاعدة أعلاه.
2- هناك مدينة سومرية اسمها «كش/ كيش» في جنوب العراق، القريبة من بابل مقر الكلدانيين، وهي المدينة التي ذكرتها ملحمة جلجامش أنها من المدن التي عادت إليها الحياة بعد الطوفان، كما كان سرجون الأكدي أميرًا عليها قبل أن يؤسس الإمبراطورية الأكدية في الألف الثالث قبل الميلاد. وقد اتخذت فيما بعد ألفاظ «كشو» أو «كشاتو» لتعني العالم، بمعنى أن من يسيطر على «كيش» يسيطر على العالم. كذلك كان من ألقاب ملوك آشور «شار كيشاتي». ومن ثم فإن لفظ «كشدم» في المسند، أو «أور كشدم» في التوراة، أوثق صلة بلغة العراق القديم منه إلى «جبل كساد» في يافع.
3- هناك «أور» شمال غرب سوريا، و«أور» بالعراق، فما الداعي للبحث عن أور باليمن من خلال تحوير قراءة الكلمات؟
4- كلمة «كور» في السومرية تعني «الجبل»، واللقب السومري «لوجال كورا» يعني «ملك الجبال». وكذلك علامة المرأة مع علامة «كور» تعني الأَمَة أو العبدة. وفي الموصل يقولون «زكور» بمعنى مرتفع القمة، ومنها جاءت «الزقورات»، وهي المعابد العراقية القديمة المرتفعة والمتعددة الطوابق، وتعني «العالية والمرتفعة». وفي السومرية ثم الأكدية، علامة «كور» هي البلاد الجبلية المحيطة بالعراق. وفي السومرية كذلك «نينو» أو «نيوواكي»، وكذلك «أورو ناكي» هي للدلالة على البلد. كما أن «كي» هي عنصر جغرافي يضاف للموطن «كُر»، ويطلقه السومريون على البلاد الأجنبية.
وأظن أن ما قدمناه حتى الآن سيجعل الصديق العزيز الدكتور باسم الجمل يتخلى عن شكه في مصداقية علماء الآثار، كما أبداه في حواره مع عمر شوتر.
(يتبع الجزء الثاني)