سكوت السجلات المصرية القديمة عن قصة موسى وفرعون التي انتهت بخروج بني إسرائيل من مصر، كان أحد أهم مرتكزات التوراتيين العرب التي دفعتهم إلى كتابة تاريخ مُقَنّع، ينفي الاستدلالات المادية ويستعيض عنها بالنص التوراتي، ويجادل فيما يسميه بالسردية الجديدة في مقابل السرديات الرجعية، وأحيانًا القديمة، أو العقليات الآسنة للباحثين والأكاديميين، على حد أوصافهم في كتبهم.
فلماذا سكتت السجلات المصرية القديمة عن ذكر قصة موسى وفرعون؟
وماذا قال التوراتيون العرب عن «فرعون»؟
وما معنى «فرعون»، ومتى ظهر؟
وهل «فرعون» اسم أم لقب؟
وهل ذكرت النصوص المصرية القديمة «فرعون»؟ وهل تلقب به ملوكهم فعلًا؟
وهل ذكرت نقوش المسند «فرعون»؟
ومن هو الفرعون المرجح الذي عاصر موسى عليه السلام؟
ولكي نقدم للقارئ الكريم إجابات دقيقة ومنهجية عن التساؤلات السابقة، سوف نعتمد على الوثائق مباشرة، لنكشف حجم التزوير الهائل الذي يقوم به التوراتيون العرب من أجل طمس الذاكرة الجمعية للأمة، واستبدالها بذاكرة مُقَنّعة، مطواعة، قابلة للتلقي دون نقاش.
لماذا سكتت السجلات المصرية القديمة عن ذكر قصة موسى وفرعون؟
في الحقيقة، إن ما عرفناه عن قصة موسى وفرعون وحادثة انفلاق البحر مستقى من الكتب المقدسة، حيث أُريد بها استخلاص الدرس والعبرة عبر الأجيال. ومن المرجح أن إغفال المصادر المصرية لذكرها يعود إلى أسس عقائدية مصرية. فمن غير المعقول أن تسجل نصوص الفراعنة غرق «إلههم فرعون» ونجاة أعدائه من بني إسرائيل، ومن هنا كان من الصعب العثور على آثار تتحدث عن موسى وقومه. وليس من المعتاد في التاريخ القديم كله تسجيل انتصارات العدو تحت أي ظرف. ولم تسجل لنا الكتابات في الشرق القديم، والجزيرة العربية تحديدًا، أخبار الأعداء إلا من قبيل الحديث عن هزيمتهم فقط، حتى لو كان الأمر غير ذلك؛ لأن كتاباتهم، إلى جانب توثيق أخبار الملوك، كانت تؤدي الدور نفسه الذي يؤديه «الإعلام» في عصرنا الحاضر؛ والهدف من ذلك إرعاب الخارج وترهيب الداخل.
وهناك من يرى كذلك أن عدم ذكر قصة الخروج في وثائق الدول المعاصرة لها والمجاورة لمصر، حتى بمجرد الإشارة إلى أحداثها، مرده إلى أن هذه القصة لم تكن ذات وزن دولي يجعل الشعوب «الوثنية» تسجلها في مصادرها.
وبرأينا، إلى جانب ما سبق، أن إغفال الإشارة إلى هذه القصة في مصادر الحضارات الأخرى المعاصرة لها يرجع إلى أمرين؛ الأول: صمت المصريين وتعتيمهم عليها على المستوى الداخلي، بسبب ما سبق ذكره، وخوفًا على ضياع نفوذهم في الشرق القديم إذا ما ضاعت هيبتهم. والثاني: حرص الدول الأخرى على عدم تسجيلها أو حتى مجرد الحديث عنها، حتى لو علمت بها؛ لأن نشر أخبارها يعني الحديث عن معجزات دين سماوي قد يؤدي إلى صرف الناس عن عبادة الملوك والأوثان، وهو ما لا يرغب به ملوك ذلك الزمان الذين ينظر بعضهم إلى نفسه إما كإله، أو ابن إله، أو مفوض من الإله.
وفي حديث له في صحيفة «الرأي» عام 2009م، يقول عالم الآثار المصري زاهي حواس: «لم نستدل حتى الآن على شخصية فرعون سيدنا موسى الذي ورد ذكره في القرآن، لكن بعد دراسات كثيرة في الكتب قد يكون هو رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، لأن سيدنا موسى عاش حوالي 60 عامًا أو أكثر قليلًا. وبالكشف عن زمن حياته اتضح أن الملك رمسيس الثاني كان يحكم مصر وقتذاك. لكننا لسنا متأكدين».
كما قال في حوار مع الإعلامية أميرة بدر في برنامج «شاهد» سنة 2025م، إنه لا يستطيع أحد أن يحدد فرعون موسى على وجه الدقة. ولعل الأمر يُكشف في يوم ما، كما حدث لموضوع الهكسوس، بحسب حديثه لصحيفة «اليوم السابع» عام 2017م، حين قال: إننا «عرفنا أن الهكسوس احتلوا مصر 150 عامًا، وتم طردهم، من خلال تلميذ جالس في مدرسة بالكرنك، وظل يدون قصة الهكسوس التي سمع عنها». وبعد ذلك كُشف عن جوانب من آثارهم وتاريخهم.
ماذا قال التوراتيون العرب عن «فرعون»؟
في سياق تغريبة الحضارة المصرية القديمة، وفي سنة 1990م تحديدًا، وجه عالم الآثار «هاموند» نقدًا قويًا لكتاب كمال الصليبي، خلال تقديم عرض له باللغة الإنجليزية، وأورد باستغراب كيف أن الصليبي جعل «فرعون مصر» إلهًا في غرب الجزيرة العربية؟!
ويرى أحمد داود أن حاكم مصر، وعلى مدى التاريخ كله، لم يطلق عليه لقب فرعون، بينما يرى فرج الله ديب أن قلعة وادي ضهر هي المكان الذي خرج منه الفراعنة.
ويذهب فاضل الربيعي بعيدًا، فيصر ويؤكد أن الحضارة المصرية القديمة لا تعرف ملكًا ولا لقبًا باسم «فرعون»، فيقول: «في الواقع، لا تعرف السجلات المصرية الرسمية، ولا النقوش والجداريات، ولا وثائق التاريخ المصري القديم، ملكًا بهذا اللقب، أي لقب فرعون؛ لأن هذا اللقب هو التسمية الدينية التي شاعت في الثقافة العالمية بقوة سرد القصص التوراتية والقرآنية. أما أن يُطلق محققو النص العبري وعلماء الآثار لقب فرعون على ملك يدعى نكو، فهذا أمر مثير للتعجب؛ لأن مصر لم تعرف لقب الفراعنة في تاريخها أبدًا؟ وشيوع استعمال هذا اللقب في وصف حكام مصر هو خطأ ناجم عن هيمنة ثقافة شعبية دينية، قرآنية توراتية، لا أكثر. وإذا سلمنا بأن فرعة تعني فرعون، فكيف نقبل بأن برعو هي أيضًا فرعون؟ لقد دخل هذا التعبير في وعي العامة من الناس، والدارسين على حد سواء، فقط مع الإسلام بفعل الثقافة الشعبية، وارتباطًا بالقصة القرآنية عن هروب بني إسرائيل من فرعون مصر؟».
ويرى أن اسم «برعو» من الأسماء الشائعة عند القبائل العربية، ولهجة الواو لهجة قديمة تميزت بها قبائل جنوب غرب الجزيرة العربية، فهم يقولون في «عبد»: «عبدو»، وفي «أحمد»: «أحمدو». كما أن المعينيين سموا عاصمتهم «قرنو»، وهي «قرن».
ثم يربط الاسم بالجغرافيا ويقول: إن «بَرعو» هذا هو اسم قرية جبلية ضمن عزلة «سامع» و«جبل قَدَس»، أي إن المقصود به «ملك جبل بُرَع»، وهذا يعني أن «بَرعو-بُرَع» ليس اسمًا للملك. أما «الملك العربي» فهو منسوب إلى موضع يقع في محافظة تعز، وتحديدًا في مديرية التعزية، عزلة الجندية السفلى، قرية العربة. كذلك توجد محلة في القرية نفسها، هي محلة العربة العليا.
وهذا يعني أن ملك برعو، الملك برعو، ليس سوى ملك قبلي من بين أربعة ملوك شاركوا في التصدي للآشوريين، وكان ملكًا على مخلاف، أي مملكة صغيرة متحالفة مع المعينيين، وقد شاركهم القتال بنفسه، وترك لنا اسمه «ملك برعو»، في إشارة إلى أن اسمه له صلة بالجبل المقدس «جبل قَدَس» الذي يقع إلى الجنوب من تعز بأكثر من 70–80 كم.
و«برع-برعو» قرية عامرة تُعرف باسم «برع»، ظلت متلازمة مع اسم قدس. وهي اليوم ضمن عزلة سامع، كما يوجد «جبل بُرع» و«محمية بُرع» شرقي محافظة الحديدة. وبهذا تاه الربيعي بين موضعين: قرية «برع» القريبة من قدس، ومحمية «برع» التي تبعد عنها بحوالي 150 كم!
وقد فندنا ذلك في كتابنا «التاريخ المُقَنّع» (ص 201–210)، وأثبتنا خطأ تصور الربيعي بالدليل النصي الهيروغليفي، كما أثبتنا وجود ملك مصري باسم «نخو/نخاو» (610–559 ق.م) حمل لقب «فرعون»، وأن الآشوريين لم يصلوا يومًا إلى بلاد اليمن، وسوف نورد لاحقًا نماذج من النصوص المصرية القديمة التي فضحت ادعاءات التوراتيين العرب وتزويرهم للتاريخ.
ما معنى «فرعون»، ومتى ظهر؟
أولًا، دعونا نتأمل ماذا يعني لقب «فرعون» الذي ذُكر في الكثير من النصوص المصرية القديمة:
يذكر عالم اللغة المصرية القديمة أستاذنا الدكتور عبد الحليم نور الدين، يرحمه الله، في كتابه الخاص بقواعدها وتطورها وتطبيقاتها، أنه في مصر القديمة كانت كلمة «pr-ʿaa» (بر-عا).
في بادئ الأمر، وبالتحديد منذ أواخر الأسرة السابعة عشرة (1650–1550 ق.م)، تُستخدم للدلالة على القصر الملكي، وهي مُركبة من كلمتين: «بر» بمعنى «بيت»، و«عا» بمعنى «عظيم»، وتعني «البيت العظيم» أو «القصر» الذي يقيم فيه الملك. وظلت الكلمة تُستخدم لتعني «قصر» حتى منتصف الأسرة الثامنة عشرة، حين أصبحت من الألقاب الثانوية لملوك مصر.
وحدد جاردنر، عالم اللغة المصرية القديمة، كذلك في كتابه باللغة الإنجليزية عن قواعدها، أن استخدام لقب «بر-عا» (فرعون) بدأ يظهر بوضوح منذ عهد الملك تحتمس الثالث (1490–1436 ق.م). ثم صار إطلاق لقب «بر-عا» (فرعون) على الملك أمرًا مؤكدًا منذ عهد الملك أمنحتب الرابع «إخناتون» (1367–1350 ق.م).
ومنذ عهد الأسرة التاسعة عشرة (1295–1186 ق.م) فصاعدًا، أصبح ذلك يُقرأ بوضوح، مثل: «الفرعون يتحدث»، وغيرها من الأمثلة، فأصبح لهذا اللقب بعد ذلك مكانة متميزة، ويتسم بدرجة عالية من الاحترام.
في عام 2017، نشر عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس مقالًا في صحيفة «الشرق الأوسط»، ذكر فيه أن القصر الملكي منذ بداية الأسرات الحاكمة ذُكر باسم «بر-نيسوت»، أي «قصر الملك»، و«بر» تعني منزلًا أو بيتًا أو قصرًا، وكلمة «نيسوت» تعني الملك. كما ذكر أنه كان يُكتب أيضًا «بر-عا»، بمعنى «القصر العظيم».
وخلال عصر الدولة الوسطى (2025–1786 ق.م) لم يقترن لقب الملك «نيسوت» بلقب «فرعون». ومع بداية الدولة الحديثة (1575–1087 ق.م)، وتأسيس الإمبراطورية التي حكمت مصر وبلاد الشام، أصبح يُشار إلى الملك بأنه «بر-عا»، أي «ساكن القصر العظيم». وفي اللغة العبرية تحولت الباء إلى فاء، والألف إلى واو، فأصبحت «فرعو»، ولحب التنوين في العربية وصلت الكلمة إلى شكلها النهائي «فرعون».
ويضيف زاهي حواس أن كلمة «بر-عا» (فرعون)، في أصلها المصري القديم، أصبحت لقبًا لحاكم مصر منذ الدولة الحديثة وحتى نهاية العصور الفرعونية، مع دخول الإسكندر الأكبر إلى مصر في عام 332 قبل الميلاد.
والمثال على ذلك نجده في نصوص معركة قادش التي خاضها رمسيس الثاني (1290–1224 ق.م) ضد الحثيين، وفيها مواضع كثيرة تُطلق فيها كلمة «بر-عا» على رمسيس الثاني.
وقد حدث خلال الأسرات 25 و26 و27 (747–664 ق.م) أن أصبح «بر-عا» ضمن الألقاب الملكية الرسمية صراحة. وأضاف أن لدينا أدلة واضحة من معبد دندرة، على بعد نحو 60 كم شمال مدينة الأقصر، على أن «بر-عا» أصبح لقب الملك، كما هو الحال مع بطلميوس الثاني (283–246 ق.م)، حيث كانت أسماؤه بالمعبد تُسبق بكلمة «بر-عا»، أي الفرعون بطلميوس الثاني.
وفي بعض الحالات، كانت كلمة «بر-عا» تُكتب داخل الخرطوش الملكي فقط، أو توضع قبل الخرطوش الذي يُترك فارغًا لعدم معرفة اسم الحاكم الموجود بالإسكندرية، حتى يتم التعرف عليه.
نفهم مما تقدم أن «فرعون» لم يكن اسمًا، وإنما كان من ألقاب الملك الثانوية، وتطور حتى صار ضمن الألقاب الرسمية. وهو ما يتضح من دقة وصف القرآن الكريم.
فعندما ذكر القرآن الكريم عصر يوسف عليه السلام، الذي يُرجح أنه عاش في فترة حكم الهكسوس لمصر، الأسرات 15–17، قبل عصر الدولة الحديثة، كان الحاكم في ذلك الوقت يُلقب ملكًا وليس «فرعون»، ولذلك قال تعالى:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (يوسف: 43).
بينما عندما ذكر القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام مع فرعون، قال سبحانه وتعالى:
﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51).
إن هذه الدقة القرآنية في الوصف تعلمنا دقة استخدام المصطلحات بحسب زمانها ومكانها، ومدى أهمية ذلك لفهم التاريخ القديم، وعدم تداخل حقبه؛ حتى لا يختلط علينا الأمر، فنفهم التاريخ كما نتوهم أو كما نريد، لا كما كان بالفعل.
أما في التوراة، فقد ذُكر لفظ «فرعون» في سفر الخروج، في الإصحاحات الأول والثاني والخامس، وغير ذلك من المواضع والإصحاحات المختلفة.
كما يظهر لي أن شيوع لقب «برعو» (فرعون) في مراسلات تل العمارنة بين ملوك مصر وأمراء بلاد الشام، التي تؤرخ بالألف الثاني قبل الميلاد ومكتوبة بالخط المسماري، وفي الكتابات الآشورية، كان يتماشى مع ما هو شائع في استعمال اللقب بوضوح في الدولة الحديثة (الأسرات 18–20)، وتواتر خلال العصر المتأخر (الأسرات 21–31)؛ وكان، إلى جانب ما ذُكر، أسهل استخدامًا من الأسماء الطويلة لملوك مصر القديمة، حيث كان الملك يحمل أكثر من اسم ديني وملكي.
ولذلك نجد الكتابات الآشورية تذكر «برعو» (فرعون) Pirʿu ملك «مصري» Muṣri (مصر)، وهو الاسم الذي كان شائعًا خارج مصر، بل أطلق عليها من خارجها، كما أثبت في كتاب «التاريخ المُقَنّع». فالفينيقيون لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم، فهم كنعانيون، ولكنهم عُرفوا به، بل صار هو الاسم الطاغي عليهم وعلى حضارتهم، فقد أطلقه اليونان على التجار الكنعانيين الذين كانوا يتعاملون معهم، فاستمدوا الاسم من كلمة «فوينكس» Phoenix التي تعني اللون الأحمر الأرجواني، وهي سلعة تجارية مهمة ورائجة، اكتشفها الكنعانيون واستخرجوها من حيوانات بحرية لصبغ الأقمشة المُطرزة.
وكذلك الأمر عند الإغريق المتعصبين لنسبة أنفسهم إلى جدهم الأسطوري «هِللّين»، فيقولون «الهِللّينيين». لم يسموا أنفسهم باسم «الإغريق»، وإنما أطلقه عليهم جيرانهم الرومان، نسبة إلى بلدة «غرايكوي»، وهي أقرب القبائل اليونانية إلى إيطاليا، ومنها اشتقوا اسم «غريكي» Greiky، وكانوا أكثر تعاملًا معها، فطغى اسم «إغريق» عليهم وعلى حضارتهم، وصاروا يُعرفون به أكثر من وصفهم بـ«اليونان» أو «الهِللّينيين».
ولا شك عندي أن اسم «مصر» جرى عليه الأمر نفسه، وخاصة أنه يشبه لفظ «مجر» في الهيروغليفية، الذي يعني الحصينة.
هل هناك شواهد فعلية لذكر «فرعون» في النصوص الهيروغليفية؟
حتى أضع القارئ الكريم في الصورة مباشرة، سوف أورد أمثلة من النصوص المصرية القديمة، التي هدمت ادعاءات التوراتيين العرب، وقوضت أركان تاريخهم المُقَنّع، حيث يصرون على أن النصوص الهيروغليفية، المصرية القديمة، لم تذكر «فرعون» على الإطلاق.
المثال الأول

المثال الثاني

المثال الثالث

هل ذكرت نقوش المسند «فرعون»؟
في عام 2025م، صدرت دراسة جديدة للدكتور أحمد فقعس تناقش الجذر «ف ر ع» في النقوش اليمنية القديمة. وقد أوضح الباحث أن هذا الجذر ورد بصيغ مختلفة؛ ففي حالة الماضي «فَرَعَ» جاء بمعنى: «قَرّبَ، قدّم بواكير الثمر أو الغلال، دفع الجزية».
وفي حالة المضارع: «يَفْرَعَ، يَفْرَعًن، تَفَرْعن، يتَفَرْعن»، حمل المعنى نفسه، كما أشار بيستون وغيره. وفي المصدر: «تِفْرّع، هفْرَع، يفْرَع»، جاء بمعنى الأجزاء العلوية من المباني، كما ذكر منير عربش. وجاء اسم الفاعل من هذا الجذر: «فَرّعم، فَرَّعن».
وبناءً على الدراسة المذكورة، نجد أن «ف رع ن» هو اسم معبود يمني قديم، بمعنى «الفارع»، أي «العالي»، ولا يرتبط بلقب ملك، ولا هو اسم له. ووفقًا لقواعد اللغة اليمنية القديمة، يُقرأ «الفارع» بمعنى العالي، ولا يُقرأ «فرعون»، كون النون في آخره هي أداة التعريف «ألـ» في العربية.
ويُرجح فقعس أن عبادة المعبود «ف ر ع ن» (الفارع) قد تركزت في بعض مناطق الجوف، وتوسعت إلى مملكة أوسان بين القرنين الثالث والأول ق.م. ويؤكد أنه لم يكن معبودًا رئيسًا، فقد جاء ترتيبه الخامس بين المعبودات الأوسانية في النقش (UAM 508): عثتر، وبلو، وموتر، وذت غضران، وفرعن، وإلهي حدثم ذ-منوب.
وعلى الرغم من أنه يشترك مع غيره من اللغات العربية القديمة «السامية» في معناه، أي «الفارع أو العالي»، فإن النقوش اليمنية القديمة تفردت في دلالته، بإضفاء الطابع الاجتماعي لـ«ف ر ع ن»، أي «الفارع»، و«ف ر ع م»، أي «فارع».
كما جاء اسمٌ لعشيرة «هفرع» المنتمية إلى شعب غيمان، بحسب (Ja 747)، وارتبط بأحد أنظمة السقي في المزارع: «م ف ر ع م» و«م ف ر ع ت»، بحسب الدراسة نفسها.
كما ذُكر هذا المعبود الثانوي في نقش ليس بحالة جيدة، محفوظ بمتحف قسم الآثار بجامعة صنعاء برقم (A–20–139)، درسته الدكتورة عميدة شعلان سنة 2002م، وعُثر عليه في منطقة بني نوف بالجوف باسم «ف ر ع ن» (الفارع)، وذُكر معبده «ع ر ن».
وعلى الرغم من هذه الدلالات المحدودة المؤرخة بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد، فإن التوراتيين العرب، وخاصة فاضل الربيعي، قد جعلوا منه أساسًا لهدم التاريخ وتزويره برمته، بما يتناسب مع غاياتهم في نقل جغرافية التوراة وأرض الميعاد إلى بلاد اليمن.
كما أن الأمر لا يمت بصلة إلى فرعون مصر، لا في الزمان ولا في المكان، عندما ظهر كلقب ثانوي للملك في الكتابات الهيروغليفية منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد في مصر، ثم صار ضمن الألقاب الرسمية بعد ذلك، ويشمل أرضها كاملة، كما مر بنا.
بينما جاء في اليمن اسمًا لمعبود في مناطق محدودة، وفي زمن متأخر، وكانت قراءته مختلفة، ولم يرتبط باسم ملك ولا لقب حاكم في اليمن، وإنما كان أحد معبوداتها الثانوية، وله صيغ اجتماعية بدلالات مختلفة، كما أوضحت دراسة فقعس.
والخلاصة أنه، على الرغم من كل هذه الأدلة المادية والنصية على وجود لقب «فرعون» في النصوص المصرية القديمة، والتي تهدم مرتكزات التوراتيين العرب وطروحاتهم وجغرافيتهم وسرديتهم المُتخيلة، فإنهم يتجاهلونها وينكرونها، ويعتبرونها سردية بالية يجب أن تتجدد؟! ولا يؤمنون بغير النص التوراتي الذي يُقلبونه كما يحلو لهم، وهو ما يجعل تاريخهم المُقَنّع مجرد حكايات وروايات أدبية متخيلة.
ولكن من هو الفرعون المرجح الذي عاصر موسى عليه السلام؟
هذا ما سنتناوله في مقال آخر.
كما أود التنبيه إلى أن ما جاء في هذه المقالة موثق بالمصادر والمراجع المباشرة في موضعه الأصلي، إذ إنها مستلة من كتبي:
-
التاريخ المقنع: هل التاريخ حدث أم فكرة، نقد أطروحات التوراتيين العرب.
-
فوضى السرد في كتب التاريخ المُقَنّع: من هوية اليمن وعروبة أهلها، إلى إسكات التاريخ الفلسطيني وإبراز الآخر.
-
تاريخ وادي النيل: مصر والسودان.