السعودية: “أميركا الشرق الأوسط“
فيصل علي
بعيداً عن الاصطياد في الماء العكر وخلافات الخليج مع نفسه، والإخوان والسلف والشيطان والإنسان، وكل القناعات الماضوية المسبقة، كان بإمكان المملكة العربية السعودية أن تكون أميركا الشرق الأوسط، دولة كبيرة المساحة والحضور والثروة والموقع، كان بإمكانها تجديد فكرها وتجديد ديمغرافيتها ورفدها بالعقول الجديدة القادمة من كل حدب وصوب، وأن تتعامل بمسؤولية أكبر مع الأيدي التي بنتها من الصفر؛ ملايين العمال الذين حفروها بأظافرهم وعاشوا فيها معظم شبابهم ومنحوها كل طاقاتهم، لكنها للأسف ولأسباب ليست معلومة أضاعت الفرص تلو الفرص، واحتفظت بنظامها الاجتماعي العشائري القديم، ولم تجدد الفكر، ولم تتحول من مملكة الصحراء إلى أميركا الشرق الأوسط كما كان يؤمل منها.
الإقامة، التجديد، العمالة، “السعودة والطوفان”، الكفيل والتابعية كلها مصطلحات ماضوية لا تدل على فهم المكانة المرموقة لأهم دولة عربية وإسلامية -أو هكذا يفترض أن تكون بموجب المعطيات على أرض الواقع-يغترب البنجالي والهندي والفلبيني والعربي فيها ستون عاماً ويخرج منها شايباً عاجزاً ويعود غريباً إلى بلده كما خرج غريباً منها.
يمنيون بمئات الألف لا يعرفون عن اليمن سوى اسمها، يرددون النشيد الوطني السعودي ويحبون جلالة الملك عبد العزيز ومن جاء بعده من الملوك، لم يحبوا الحمدي ولا السلال ولا عفاش ولا هادي -زميلهم في الغربة-، هواهم سعوي وحبهم سعودي وتاريخهم سعودي ومنهجهم في الحياة سعودي، يتذكرون أنهم من اليمن فقط عند تجديد الإقامة ونقل الكفالة من الكفيل المتوفي إلى ولده.
التقيت بالعشرات والعشرات منهم، واقتربت كثيراً، حاولت أن أفهمهم، جل أحاديثهم عن نظام ساهر، وأغانيهم الشيلات، وذكرياتهم طلعات البر، ونقاشاتهم آراء الشيوخ وفتاوى اللجنة الدائمة، طيب واليمن يا جماعة لمن؟
طالما أحسست أنها لي وحدي أنا وبقية الغبر الذين لم يحالفهم الحظ في الاغتراب، ومعنا رجال المرور والضرائب والجوازات والأحوال المدنية والقضاة والموظفين والمدرسين، وأحزاب تأسست في منتصف القرن الماضي، أضف إليهم “المبردقين” ممن يسمون أنفسهم “الأنصار” -الذين ظهروا مؤخراً كنتيجة حتمية لتخلي المملكة عن دورها في دعم اليمن منذ عام 1990م وما بعدها، فاحتضنتهم إيران- وكذلك كتائب الجيش الوطني، ونحمد الله أن النخبة التي لم تتفق في صنعاء وصلت الرياض لتكمل خلافاتها على موائد الكبسة والمطازيز.
المقيمون في المملكة العربية السعودية لا يطلق عليهم هناك لفظ المهاجرين وإنما مقيمين لمحدودية الفترة وللدلالة على أنهم لن يتحولوا إلى مواطنين فلا قانون يضمن لهم هذا الشيء الاعتيادي في كثير من دول العالم المتحضر، يشكل المقيمون بحسب إحصائيات سعودية للعام 2013 ما نسبته 9.4 مليون نسمة، وهي نسبة تصل إلى ثلث السكان، وهناك دعوات قبلية لتخفيضهم إلى ما نسبته 20% لاعتبارات يقال أنها أمنية، نسبة الجالية اليمنية المقيمة بحسب نفس الإحصائيات أعلاه تصل إلى 5.07%، – ربما هناك إحصائية جديدة بعد كارثة انقلاب 2014 والحرب في 2015 – لكن هذ النسبة منخفضة مع وجود جاليات مقيمة نسبتها أكبر فالجنسية الهندية في المركز الأول بنسبة 19.4% ثم الباكستانية بنسبة 14.5% ثم البنجلادشية بنسبة 14.4%، والمصرية 14.3%، ثم الفلبينية 11.3%. بإمكان هذه الجنسيات وغيرها أن تكون النواة الأولى لزيادة عدد السكان في المملكة إن أرادت التحول من دولة عالم ثالث إلى دولة ذات قوة استراتيجية في منطقة بالغة الضعف.
ليست المشكلة في اليمنيين المهاجرين هناك – بدون نظام هجرة حديث كأنظمة أستراليا وكندا وأوروبا وأميركا والتي تمنح المهاجرين مزايا الإقامة والجنسية إن اجتازوا الشروط بنجاح- بل لجميع من ترنو قلوبهم نحو الأرض المقدسة التي لطالما اعتبروها قبلتهم واتجاههم الصحيح حين اتجه غيرهم نحو الشرق والغرب، لكنهم قوبلوا بنظام عشائري قديم له حدود ومراعي وأسلاف وأعراف وقطعان إبل مرقمة ومعروفة بحسب علامة كل قبيلة، تسيطر عليه ثقافة الأخ الأكبر والنظام الأبوي.
ماذا لو كان عدد سكان المملكة 200 مليون نسمة؟ هل سيموت الناس من الجوع، هل النفط لن يكفي والميزانية ستنهار؟ لا يدرك أرباب الذهب الأسود أن الثروة الحقيقية هي الإنسان، الإنسان هو صانع الثروة لا العكس، التنوع يخلق المعجزات والقدرات، ولن تضطر عقول العرب إلى الهجرة نحو الغرب والشرق، ولن تستطيع إيران ولا غيرها تهديد جزيرة العرب، ولن تفكر أميركا في ابتزاز المملكة والمنطقة كلها، كل هذه المساحة والصحاري الخالية ستتحول إلى مدن الضوء والحضارة، سيتخلص الناس من عقدة البعران والضب، وسيأتي مذهب الإمام أبو حنيفة النعمان ليمدن الصحراء القاحلة.
عظمة هذه المملكة ستتضاعف وستتغير صورة الشيخ وبئر النفط والجواري، الجامعات ومراكز الأبحاث والقوى العاملة هي التي ستغير صورة العرب والمسلمين القادرين على التنوع والتعايش.
لو أنها كانت “أميركا 2” لما احتاجت اليوم لمن يدافع عن حكومتها أمام نقد صحف ووسائل إعلام العالم، ولما ظلت مجالا للتندر بمنعها النساء من قيادة السيارات، ولنشأت حضارة تغير كل هذا الواقع المخزي للعرب كلهم.
يعود خالد الهندي بعد 33عاماً من الاغتراب والبعد عن أهله في جنوب الهند، ولا يتذكر إلا أنه اغترب في بلد أكلته لحما ورمته عظماً، عاد بعد أن ماتت زوجته وهما يوفران المهر لتزويج بناتهم الخمس، عاد ليكمل المهمة وحده، لو أنه هاجر إلى بريطانيا لكان حاله أفضل، لكنه أختار أرض الإسلام وحافظ على دينه وهويته وعبد الله وعاش حياة الكفاف، مؤخرا اكتشف أن الله لا يوجد في بلد واحد دون بقية البلدان وهو موجود في كل مكان، لكن الوقت كان قد تأخر كثيراً، فلم يعد خالد صالحاً للرحيل والهجرة.
ظلت المملكة تنافس الدول الأفقر من حولها، وصارت واحة جميلة في الصحراء الكبرى، لكنها مقارنة بدول العالم البعيد لا تستطيع التجاوز بضعة أمتار، حتى بلدان العالم الإسلامي الفقيرة إلى النفط تتجاوز المملكة بمراحل؛ تركيا وماليزيا تفوقانها حضارة وتقدماً في مختلف المجالات، وهي لا شيء مقارنة بدولة مثل كوريا الجنوبية التي تأسست بعد تأسيس المملكة بعقود، وشركاتها التقنية سامسونج وهيونداي ربما أغنى من أرامكو محتكرة الثروة في المملكة.
لسنا بصدد المقارنات ولا المقاربات، فقط ننبش في ذاكرة أهم دولة عربية باقية إلى اليوم، وكيف أعاقتها ثقافة القبيلة ولم تستغل علاقاتها الواسعة التي تفوق علاقات أي دولة أخرى لكي تنهض وتبني إمبراطورية عظيمة تنافس الإمبراطوريات المعاصرة.
اختلال المذهب الوهابي مؤخراً في المملكة لا يعود إلى خلل في أصله الصحيح والحر، لكنه التقوقع داخل الصحراء، ونبذ التنوع والحفاظ على عقل التراث الصدئ، وعدم رفده بالعقول الجديدة من خارج حدود الصحراء، وعدم تلاقحه مع الآخرين في محاولة منه لاحتكار الدين الصحيح والعقيدة الأصح، وهذه معضلة انعكست على المجتمع والناس الذين لا يقبلون الآخر، في منطقة تهفو إليها قلوب هذا الآخر في كل عام في موسم الحج والعمرة.
هل تعيد المملكة اليوم بعقلها الجمعي التفكير بالتحول إلى دولة عظمى تملك كل عوامل القوة التي تؤهلها لذلك، أم أن الحديث عن دولة عظمى في الجزيرة لا تروق للبعض؟ الانفتاح على السوق والتفكير بشكل استراتيجي سيحول المملكة من أرض ممتدة على مساحة 2 مليون كيلو متر مربع خالية من السكان، إلى ارض ذات حضارة وعمران، المساحات الكبيرة الخالية والحدود المفتوحة بدون سكان تصبح حملاً على دولة المركز البعيد في نجد.
من المؤسف أن من يتصدرون لقيادة الرأي العام في المملكة سواء كانوا من السكان الأصلين لنجد والحجاز أو الملتحقين بالتجنيس الحاصلين على التابعية والمنحدرين من أصول مختلفة، يتحدثون بلغة إقصائية تسعى إلى تحجيم دور المملكة وجعلها حكراً عليهم فقط، ويخشون من أي انفتاح واحتضان للوافدين، ربما يكن خلفهم مخاوف مثل الخوف من نضوب النفط، أو الخوف من التشارك في الثروة الزائلة، وربما كرهاً في قيام دولة ذات قوة، والعجب أن معظمهم تلقى تعليمه في أوروبا وأميركا والدول المتقدمة ولم يستفد من تجارب العالم، أميركا بجلالة قدرها وقوتها المفرطة مازالت فاتحة باب الهجرة عبر اليانصيب بمعدل 50 ألف سنوياً، العالم يبحث عن عقول ودماء جديدة ليحافظ على حيوية الدولة وتجديد شبابها.
يتلوى المغترب اليمني اليوم خوفاً من الإجراءات الجديدة التي تفرض رسوماً على المرافقين، ويتحمل دفع إتاوة ومبالغ تذكرنا بنظام السخرة البائد للكفيل، حيص أصبح الكفيل شريكاً في المال دون عناء مما ترتب عليه ضياع الحقوق في بلد يقال أنه يطبق شرع الله، لكنه يسمح باستغلال العمالة الوافدة ولا يضمن حقوقها، أعلم أن هناك إجراءات بالغة التعقيد وليست بكل هذه البساطة، لكن التفكير البدوي الضيق الذي انعكس على مؤسسات الدولة هناك ضيق على الناس، والدول بسكانها الفاعلين لا بمجرد أهلها الخاملين، وهذا ليس تدخلاً في شئون محلية لدولة مكتملة السيادة بقدر ما هو حباً فيها وفي أهلها فمعظمهم من اليمن ككل العرب الطيبين.
لا نريد من حديثنا هنا تحسين وضع اليمنيين فقط ولا التوسل للمملكة لحل إشكالياتهم وحدهم بل إعادة تذكير المملكة وحكامها وشعبها وسكانها بالمأمول منها، في حين يضع أعدائها خارطتها على الطاولة لإعادة تقسيمها، ولم يرق لهم ظهورها بقوة في عاصفة الحزم، ولذا يحاولون الالتفاف عليها بكل ما أوتوا من حيلة لإيقاف ظهورها كدولة محورية في محيطها العربي الذي يحتاج إلى قوتها أكثر من أي عهد مضى.. الظروف السيئة قد تكون مواتية لظهور “أميركا 2” من يدري فالأيام مليئة بالمُفَاجَئَاتُ.
نشر هذا النص في صفحة الكاتب على الفيس بوك بتاريخ 4 يوليو 2016م
اقرأ للكاتب أيضاً حاجتنا للدولة