يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

في الطريق إلى المأساة

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
في الطريق الى المأساة د. محمد شداد غلبت حوانيت الدجل والشعوذة والتكسُب غير الشريف على المشافي الحكومية والعيادات المتخصصة، وتفوق الشحن الطائفي في بلادي على القيم الوطنية وطغى الجهل فيها...

في الطريق الى المأساة

د. محمد شداد

غلبت حوانيت الدجل والشعوذة والتكسُب غير الشريف على المشافي الحكومية والعيادات المتخصصة، وتفوق الشحن الطائفي في بلادي على القيم الوطنية وطغى الجهل فيها على قطاع واسع و امتلأت البلد بحاملي شهادات بلا معرفة!! فاقت أعداد موانئ التهريب على الرسمية وسفن صيد الأسماك الأجنبية على قوارب الصيد المحلية، وفاق فقر الإنسان السواحلي على القادمين من أعالي الجبال أو من وراء البحار، وعلى من باتوا باعة على أبواب النخاسة والدافعين لهم مقابل تمكينهم وغرس أظافرهم في أوردة الحياة ومن هنا زادت المأساة. 

وغلبت أعداد المقابر والاضرحة في بلادي الحدائق والحواضر وساحات التنزه، والخصومة على ساحات التعايش والعمل والصناعة والابتكار، ففاق الصراع وتفوق علينا الأعداء الملتحفين برداء الصداقة، تمكنوا منا بأيدينا بقوة سواعدنا وغياب عقولنا، غرسوا خناجرهم شَبِعَتْ شرباً من دمانا، لأنا لم نكن نحن بل كنا شخوصاً تسير محنطة رفاةً تبحث عن نفسها في زمان الثورة العلمية بين القبور.

وعليه توهمت كل القوى السياسية في اليمن قبل السقوط في أتون الحرب بأنها تُمسكُ بخيوط اللعبة وتُدركُ الواقع ومآلاته، وانها جاهزة للمستقبل جيداً. لكن الواقع كشف أن الجميع خُدعوا وكانوا يعيشون في كِذبة كبرى! لم تك النخب والقيادات اليمنية تُدرك الأبعاد الحقيقية لما يجري ولم تُك صادقة ايضاً في وطنيتها وفيما بينها وفي إيمانها بالجمهورية نظاماً وأهداف، بل كانت في الأصل تُضمرُ نوايا سيئة وتتحين الفرص للفوز بأكبر قسط من غنيمة الفوضى، ولهذا خسروا جميعاً، وخَسِرَ الوطن!

 الأمر الذي جعل من بلادي مأساة ممتدة وساحةً لحروب العصبية والقبلية والعِرق والمذهب اللذان أرادا لها ان تكون فقَّاسة للإرهاب حد وصف قيلنا الكبير “أ. د عبدالله الشماحي” وضحيةً للخرافة الدينية الباحثة عن حقوق لاهوتيةً فيها. مارس الكهنوت الحروب بقسوة حاقدة ضد اليمنيين، برغم إيمانهم العتيق برسالات السماء من الرحلة الأولى لأول نبي حل في الأرض وحتى آخر آية أملاها جبريل على نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن كارثة الحق الإلهي المزورة في الحكم ما انفكت تدور رحاها منذ ان وطئت قدميَّ يحي الرسي أرضنا دماراً قتلاً وخراب.

  فطغت العصابات البائسة على نظام الدولة، ورايات الموت على دعوات الحقوق الإنسانية والقانونية وقواعد السلم الاجتماعي والعيش الكريم، لأن “الثيوقراطيين” المتوردين يستثيرون على الدوام العاطفة الدينية في قلوب البسطاء من سكان الجبال محدودي الفهم والمعرفة، ويعزفون عليها أبشع ألحانهم الجهوية والمذهبية. أخفقوا في توفير السعادة لمناصريهم الذين جعلوا من أنفسهم مطايا لشُذاذ السياسة وكهنوت المذهبية، فكانوا ولايزالون جُسوراً لوصول الطامعين إلى قصور الحكم ومخازن الأموال في دهاليز السلطة وجيوب اليمنيين. 

ولعل المعضلة الدائمة أن المنساقين إلى المعارك لم يدركوا الحكمة من خلقهم كبشرٍ يعقلون، ولم يتحسسوا طرائق العيش الكريم أو يبحثوا عنها بصدق، واستمرأوا العيش تحت أغلال العبودية والطغيان في ظل العهود المظلمة، وأن يكونوا مجرد كتافاً تحمل السلاح بحثاً عن فرصةٍ سهلة للحياة،. وذلك لأن مؤسسي الجهل ونشر الضلالات أقنعوهم بأنهم في دنياهم ليسوا إلا عارة للخالق في دنيا الآخرة، وأنهم مشاريع موت فقط وليسوا سلائل الحضارة وصُناعاً للحياة. 

 يُقال بأن “الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح” عشنا وهماً داهماً في عهد الجمهورية بأنا نحكم، والحقيقة أن حِراب الموت كانت تتخفى تحت العمائم والعباءات، ترقب الفرصة المناسبة لتنقض على نظام جمهوريتنا وتهدم بنيته وقوائمه، فانتهينا إلى أم الكوارث التي نعيشها حالياً. 

حيث فاقت شعارات الموت في جدران بلادي شعارات الحياة، وفاق عدد المساجد المدارس والجامعات. لا يعني هذا أني ضد بناء المساجد ودور العبادة، بل لأن العلم هو أيضاً مخ العبادة والطريق الصحيح للتخلص من قبائح الجهل المدمر، والجهاز الكاشف للألغام التي زرعها الحاقدون في طريق حياة اليمنيين وخرافات الكذب الممنهج. 

وتجاوزت اعداد المقارَّ الحزبية والمراكز المذهبية وزوايا التكهُن والأضرحة والشعوذة في بلادي المكتبات الثقافية ومراكز الأبحاث العلمية والمعامل التعليمية والمختبرات الزراعية والصناعية بأرقام لا يصدقها الإنسان القادم من بلدان الحياة والحقوق الإنسانية، أو اليمني الذي درس أو مر على أحد مطارات العالم فائقة الخيال في السعة والتقنية، وبهذا حلت المأساة.

لقد اعتَلَّ المجتمع وأُجهِضتْ المعرفة ولم يعد ينتج اي جديد في حقل الإبداع والثقافة والفن، 

   ومع امتداد خيباتنا وتناسلها وتشابكها يوماً بعد يوم حتى أن العالم لم يعد يكترث كثيراً لأكبر كارثة إنسانية شهدها القرن العشرين في اليمن، سُئل المحلل السياسي عبدالباري عطوان عما يجري في اليمن قال أستطيع قراءة كل المشاهد السياسية أحللها أغوص في أعماقها إلا ما يجري في اليمن عجزتُ عن فهم ما يجري!! فعلاً كنا كما قال المثل “عبارة عن جراد تطير في حيزٍ مغلقٍ تطير ثم تسقط” وتلك هي مأساة بلادي عندها حلت المأساة بعد السقوط.

مقالات قد تهمك

هادي بعد الرحيل... أزمة النخبة أم أزمة الرجل؟
آراء

هادي بعد الرحيل... أزمة النخبة أم أزمة الرجل؟

أثارت وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي موجة من السجالات السياسية التي أعادت طرح أسئلة قديمة حول مسؤولية الأفراد ومسؤولية النخب في الأزمات الوطنية. يناقش هذا المقال حدود النقد في لحظة الوفاة، ومأزق اختزال سنوات من الصراع والانهيار في شخص واحد، ويتساءل: هل كانت أزمة اليمن أزمة رجل، أم أزمة نخبة سياسية وثقافية عجزت عن حماية الدولة وتقديم مشروع وطني قادر على مواجهة الانقلاب واستعادة الجمهورية؟

منذ أسبوع
تحولات الاتحاد الأوروبي بعد انتخابات المجر: اختبار التماسك في زمن الأزمات
آراء

تحولات الاتحاد الأوروبي بعد انتخابات المجر: اختبار التماسك في زمن الأزمات

تحولات سياسية في المجر تعيد تشكيل توازنات الاتحاد الأوروبي بعد خسارة فيكتور أوربان، وتفتح نقاشًا حول قدرة أوروبا على استعادة تماسكها في مواجهة الأزمات، مع احتمالات امتداد التأثير إلى الشرق الأوسط وأمن الممرات البحرية.

منذ شهر
من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ شهر