رحيل العلامة العمراني   

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
رحيل العلامة العمراني فيصل علي لم يكتف اليمنيون بمائة عام من العيش مع فقيه الأمة، القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، حيث قضى ثمانين عاماً منها عالماً عاملاً هادياً...

رحيل العلامة العمراني 

 

فيصل علي 

 

لم يكتف اليمنيون بمائة عام من العيش مع فقيه الأمة، القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، حيث قضى ثمانين عاماً منها عالماً عاملاً هادياً ومرشداً إلى طريق الإسلام بروحه المتسامحة الرحيمة، باحثاً عن الدليل منفتحاً على كل المدارس الفقهية، سالكاً طريق المدرسة الفقيهة اليمنية الأصيلة، الممتدة إلى الشوكاني والصنعاني والمقبلي والجلال، المدرسة التي تهتم بمنافع اليمنيين وتفرد حياتهم وسماتهم وهويتهم. 

 

ما الذي جعل الناس يُظهرون كل هذا الحزن على إمامهم في الدين؟ هل لماله أم لنسبه أم لجهته التي أتى منها؟ ليس لكل ذلك فالعلم النافع لا يكترث للمال والنسب والقرية البروباغندا الإعلامية، اتبعه الناس لعلمه وفقهه الذي لمسوه في حياتهم منيراً وسنداً، حزنوا لموته لأن غالبية شعبنا على نفس مدرسته الفقهية اليمنية الخالصة، يشاركهم ويشاركونه العمل الجاد والإخلاص لكل ما هو يمني من آمال وهموم وتساؤلات..

 

لم تستطع المدارس الممولة ولا القادمة من بعيد أن يكون لها حظاً منافساً أمام تألق العلامة العمراني والمدرسة الفقهية اليمنية، هذه المدرسة وجدت خطها الواضح البين بين كافة المدارس على نحو متفرد، فكانت وسطية المنشأ والمقاصد. فالرجل كان عالماً علماً مجتهداً مطلقاً، غير ملتزماً بمذهب أحد ولا قابلاً للقولبة أو الاستقطاب، ويعلن صراحة انتمائه للمدرسة الفقيهة اليمنية.

 

افتقادنا لفقيهنا الراحل يؤكد حاجتنا الملحة إلى ثورة إحياء لهذه المدرسة لمواجهة التغول الطائفي والسلالي والتعصب المعادي لليمن ولدينها وشعبها وتاريخها وهويتها وجذورها التوحيدية الممتدة إلى النبي هود عليه السلام. نحتاج من فقهائنا العمل الجاد على إحياء هذه المدرسة والحفاظ عليها، ونأمل من طلاب القاضي العمراني أن يسهموا في هذا الإحياء و أن يجعلوا من حياته وعلمه إلهاماً يشحذ هممهم. 

 

كان رحمه الله وأسكنه فسيح جناته صاحب طُرفة، وهي من أدب المجالس ووسيلة لكسب قلوب الطلاب وكسر الملل في مجالس الدرس والعلم، وليست من العلم، بعض الطلبة اهتموا بالطرفة وتركوا العلم، وهذا خطأ يجب التنبه له، نحتاج إلى التركيز على ما سلكه في آرائه العلمية وتحريه الحقيقة ونقده للآراء المختلفة، واجتهاده لطرح ما ينفع الناس وما ييسر لهم معاشهم ويصلح ذات بينهم، وتبريره وإيضاحه لرأيه في مختلف المسائل باقتدار وتقوى وتجرد، هذا ليس وقت الطرف والطرافات، فهناك من يحاول اجتثاث شعبنا وتاريخنا وهويتنا وقيمنا ومدرستنا الفقهية اليمنية. 

 

 

ماترونه من طوائف ظاهرها المذهبية وباطنها الأيدولوجية التي تريد تسييس الدين، هي لا تقبل بوجود مدرسة مستقلة عن صراع الطوائف والهويات الدينية المؤدلجة، وهي التي حاولت وتحاول التمدد والتوسع على حساب المدرسة الفقيهة اليمنية عن طريق نشر روح الانتقاص للرأي اليمني والهوية اليمنية.

 

 

هذه ليست جنازة هذا استفتاء شعبي على بقاء المدرسة الفقيهة اليمنية الأصيلة معبرة عن وجودها وتواجدها بين الجماهير، وجود يجمع أغلب اليمنيين رغم اختلاف أفهامهم ومستوياتهم، وجود أظهر نفسه بقوة في أوساط الأغلبية الصامتة التي احتشدت اليوم. 

 

أتذكر اليوم تطاول النكرات؛ حسن زيد والصماد وجهلة الهاشمية السياسية على القاضي العمراني في بيته ومكتبته عام 2016، وما جرى من غضب يمني كبير يومها، ولي ولكم حق السؤال أين ذهبت النكرات القادمة من غبار التاريخ؟ انتهوا لا أحد يذكرهم، تم تجاهلهم، ونسيانهم، وبقى العمراني وسيبقى إماماً للناس في دينهم، وهذا هو إيماننا أن هلاوس هؤلاء مهما بدت متعاظمة ستتلاشى و يظل اليمن منتصراً راسخاً مهما حدث.

 

اليوم أعادوا الكرة وأذوا إمامنا ميتاً على نحو جبان ومنعوا دفنه في مقبرة خزيمة بناءً على وصيته، ودُفن في مقبرة الدفعي، هالتهم الحشود، لقد علموا اليوم أن اليمن لا ولن تتبع مذهبهم الطارئ ولا فقههم الأعور ولا دينهم السلالي الطائفي. اليمن لن تتبع إلا ما كان خالصاً لها ولجوهرها المتفرد وشعبها الأصيل وتوحيدها الخالص لله الواحد.

إقرأ أيضاً

وزارة الأوقاف تنعي العلامة العمراني

في رثاء العلامة العمراني 

مقالات قد تهمك

تحولات الاتحاد الأوروبي بعد انتخابات المجر: اختبار التماسك في زمن الأزمات
آراء

تحولات الاتحاد الأوروبي بعد انتخابات المجر: اختبار التماسك في زمن الأزمات

تحولات سياسية في المجر تعيد تشكيل توازنات الاتحاد الأوروبي بعد خسارة فيكتور أوربان، وتفتح نقاشًا حول قدرة أوروبا على استعادة تماسكها في مواجهة الأزمات، مع احتمالات امتداد التأثير إلى الشرق الأوسط وأمن الممرات البحرية.

منذ أسبوعين
من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ أسبوعين
حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ شهر